في الثالث من يونيو عام 1970، كان ستيف ماكوين يستعد لركوب سيارة سباق على حلبة «لومان» الفرنسية الأسطورية، قبل أن يصعد الممثل الأمريكي إلى السيارة، مدّ يده ليرتدي ساعة بتصميم مربع غريب الأطوار، تحمل اللونين الأزرق والأحمر، كانت تاغ هوير موناكو، ساعة لم تكن قد اكتسبت بعد شهرتها، ستصبح أسطورة خلال ساعات قليلة من عرض الفيلم.
لكن هذه القصة ليست فقط عن ساعة وممثل؛ إنها قصة عن كيف تحولت الساعة من مجرد أداة عملية لقياس الوقت، إلى إكسسوار فاخر وعنصر فني هام في صناعة السينما، وأخيرًا إلى جزء محوري من استراتيجية تسويقية عملاقة تدر مليارات الدولارات.
في هذا المقال، نتتبع رحلة العلاقة بين الساعات والسينما، من أول ظهورها مثلها مثل أي شيء آخر، إلى أن أصبحت نجمة من النجوم، ليست أقل شأنًا من الممثل نفسه.
بداية العلاقة بين عالمين مختلفين
في العقود الأولى من السينما، كانت الساعة مجرد تفصيل صغير، تظهر على جدار مكتب، أو في يد شرطي ينظر إليها بتوتر، أو في لقطة عد تنازلي قبل انفجار، كانت أداة زمنية بحتة تخدم الإيقاع الدرامي والأهداف النفسية والسردية للقصة ليس أكثر، لم حينها يكن المخرجون يولون اهتمامًا للعلامة التجارية أو التصميم، المهم أن تؤدي الساعة دورها في بث التوتر في المشاهد وإعلام المشاهد أن الوقت ينفد، لكن كل شيء تغير عندما بدأ المخرجون يدركون أن الساعة يمكن أن "تتكلم" عن الشخصية أكثر مما تفعل الكلمات.
حين صنعت السينما أسطورة «موناكو»
في فيلم «لو مان» الصادر عام (1971)، اختار ماكوين أن يرتدي ساعة «تاغ هوير موناكو»، تصميمها حينذاك كان جريئًا ومختلفًا، لقد جاءت في صورة مربّعة لم يعتادها الناس من قبل! لكنه عكس تمامًا شخصية سائق السباقات المتهوّر الذي يؤديه.
بعد عرض الفيلم، تحوّلت الساعة إلى أيقونة؛ الناس لم يريدوا تقليد ماكوين كممثل، بل أرادوا امتلاك "ساعته"، ارتفعت مبيعات «موناكو» بشكل هائل، حتى إن النسخة التي ارتداها في الفيلم بيعت لاحقًا بأكثر من مليوني دولار في مزاد علني.
المفارقة أن الفيلم نفسه لم يحقق نجاحًا تجاريًا كبيرًا عند صدوره، لكن الساعة خرجت منه بطلة، لقد حازت على إعجاب الجميع وتهافتوا عليها، ومنذ ذلك اليوم أدركت العلامات التجارية أن ظهور ساعة في فيلم ناجح يمكن أن يصنع منها أسطورة خالدة.
«سيماستر» وجيمس بوند
في تسعينيات القرن الماضي، تبنت شركة أوميغا دور الساعة الرسمية لأفلام جيمس بوند، بدءًا من فيلم "العين الذهبية"، اختيار «سيماستر» لم يكن صدفة، فالساعة تمزج بين المتانة والأناقة، تمامًا كما تفعل شخصية العميل البريطاني.
كل إصدار جديد من أفلام بوند كان يقدم نسخة محدثة من الساعة نفسها، لكن دون أن تفقد هويتها، ومع الوقت أصبحت «سيماستر» جزءًا من هوية بوند البصرية، وأصبح المشاهدون يربطونها تلقائيًا بالشخصية، وهكذا ولدت علاقة تجارية فريدة بين السينما والساعة، عنوانها الثقة والهيبة.
عندما أصبح الفن مشروعا تجاريًا
من هنا بدأ التحوّل الحقيقي: الساعة لم تعد مجرد إكسسوار فني أو عامل إضافي، بل استثمار تسويقي مدروس، تقوم استوديوهات الإنتاج بعقد صفقات مع شركات الساعات مقابل ظهور منتجاتها على الشاشة، فيما بات يعرف بـ "المنتج الدعائي"، وفي إطار ذلك تدفع الشركات أحيانًا مبالغ ضخمة، وأحيانا تكتفي بتقديم الساعات للممثلين والإنتاج.
لكن ما النتيجة المترتبة على ذلك؟! ظهور ساعة في لقطة قريبة واحدة يمكن أن يرفع مبيعاتها بنسبة كبيرة ويمنحها هالة فريدة لا تقدر بأي وسيلة إعلان أخرى، لذلك بعد فيلم «لو مان»، أطلقت تاغ هوير إصدارات محدودة من «موناكو» مستوحاة ومطورة على أساس الفيلم ذاته وأحداثه، هذه النسخ بيعت خلال أيام، وأصبحت هدفا للهواة ومقتني الساعات، إذ تجاوزت أسعار بعضها مئة ألف دولار.
الساعة كلغة بصرية
منذ بدايات السينما يدرك المخرجون جيدًا قيمة الساعة البصرية وما يمكن أن تؤديه من معانٍ حرجة ومؤثرة في سياق عملهم، تكفي مثلًا لقطة لمعصم أحدهم يتحرك بتوتر كي تخلق إحساسًا بالخطر أو اقتراب النهاية، الساعة أصبحت لغة بصرية تقول ما لا يُقال، طبيب يرتدي ساعة فاخرة ليعكس مكانته/ محقق يضع ساعة متواضعة لأنه مشغول بالعمل أكثر من المظاهر، مجرم يحتفظ بساعة قديمة كرمز لذكريات مفقودة، وغيرها من نماذج تشي بتفاصيل صغيرة تضيف الكثير لشكل الشخصيات وملامحها وأبعادها النفسية!
جمهور يشتري القصة قبل المنتج
من المهم أن نعي أن المشاهد يشتري الساعة لا لأنها دقيقة أو جميلة، بل لأنه رأى بطله المفضل يرتديها، هذه الظاهرة تُعرف في التسويق بـ "الشراء العاطفي" أو "الشراء بالانتماء"، يريد الجمهور امتلاك قطعة من القصة من الأسطورة من العالم الذي عاشه في الفيلم، من هنا تنشأ القيمة الرمزية التي تتجاوز المادة نفسها، ساعة ارتداها ممثل في فيلم ناجح يمكن أن تتحول إلى استثمار مالي حقيقي، إذ تباع لاحقًا في المزادات بملايين الدولارات، هكذا ولدت فئة جديدة من مقتني الساعات، فئة أكثر همها هو البحث عن "الساعات السينمائية" لحفظها كقطع توثق للتاريخ السينمائي، مع يقينها أن هذا التاريخ سيعطيها قيمتها الأكيدة الآن ومستقبلًا.
بين الفن والبيزنس
التحالف بين السينما وصناعة الساعات هو واحد من أنجح التحالفات في عالم الترفيه والرفاهية، فإذا ما نظرنا بعمق لكلا العالمين، سنجد أنهما يعتمدان على الحكاية، السينما تروي قصة بالكاميرا، والساعة تروي قصة بالزمن، وحين يجتمع الاثنان، يصبح الوقت نفسه جزءًا من الحكاية، ساعة تُستخدم في مشهد حاسم يمكن أن تخلد اسمها لعقود، تمامًا كما خلد ستيف ماكوين «موناكو» أو كما جعل جيمس بوند «سيماستر» مرادفة للجرأة والأناقة.
خلال قرن من الزمن، لم تعد الساعة تفصيلًا صغيرًا في السينما، بل صارت جزءًا من القصة نفسها، تعبّر عن الشخصية وتترك أثرها في ذاكرة المشاهد.

التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.