اختتم «Geneva Watch Days 2026» نسخته السابعة بعد خمسة أيام أعادت جنيف إلى قلب صناعة الساعات العالمية، لكن الأرقام هذه المرة لم تكن مجرد خلفية للحدث. فقد شاركت 71 علامة، وهو أعلى عدد منذ انطلاق المعرض، وكُشف عن نحو 400 إصدار جديد، فيما استقبل الحدث أكثر من 2500 مقتنٍ وعميل خاص وهاوٍ للساعات، إلى جانب أكثر من 500 من وسائل الإعلام وصناع المحتوى وأكثر من 300 تاجر تجزئة. امتد المعرض بين 2 و6 سبتمبر، وتوزعت فعالياته بين الجناح الرئيسي و«Blue Box» وصالات العرض والبوتيكات والفنادق المنتشرة في المدينة، في صيغة حافظت على الطابع المفتوح الذي ميز الحدث منذ ظهوره عام 2020.
هذه الأرقام مهمة، لكنها لا تشرح وحدها ما حدث في جنيف. النسخة الأخيرة كشفت سوقًا تتحرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه، صناع مستقلون أصبحوا أكثر حضورًا، تعاونات بين علامات كبيرة وأسماء فردية بارزة، عودة علامات تاريخية إلى الحياة، تجارب جديدة في طريقة قراءة الوقت، وفي المقابل استمرار واضح للعودة إلى الأحجام الأصغر والحرف اليدوية القديمة. وبين ساعة بسعر 2900 فرنك سويسري وقطع تتجاوز عشرات ومئات الآلاف، بدا «Geneva Watch Days» أقرب إلى صورة مكثفة لما أصبحت عليه صناعة الساعات اليوم.

معرض لا يعيش داخل قاعة واحدة

ولد «Geneva Watch Days» عام 2020 في ظرف استثنائي، عندما تعطلت المعارض الكبرى بسبب الجائحة، واختارت مجموعة من العلامات نموذجًا بسيطًا يقوم على توزيع اللقاءات داخل المدينة بدل جمع الجميع في قاعة واحدة. وبعد ست سنوات، تحولت الفكرة التي بدأت كحل مؤقت إلى جزء من هوية الحدث، فلا يزال بإمكان العلامة أن تستقبل ضيوفها في بوتيك أو فندق أو صالة خاصة، بينما يوفر المعرض مساحات مشتركة تسمح للجمهور برؤية عدد كبير من الساعات في مكان واحد.
في 2026، تضمن البرنامج 89 فعالية موزعة على مدار الأيام الخمسة، من جلسات «Touch & Feel» والحوارات إلى الجولات وورش صناعة الساعات، بينما جمع «Blue Box» نماذج من العلامات المشاركة في مساحة واحدة قريبة من الجناح الرئيسي. هذه الصيغة منحت المعرض طابعًا أقل صرامة من الأحداث التجارية التقليدية، وأبقت المسافة قصيرة بين صانع الساعة والمقتني الذي يريد رؤيتها أو مناقشة تفاصيلها.
النمو نفسه يطرح تحديًا جديدًا، فـ71 علامة ونحو 400 إصدار تعنيان أن الحدث لم يعد صغيرًا كما كان في سنواته الأولى، وقد أشارت «Hodinkee» إلى أن إجمالي الحضور بلغ نحو 15 ألف شخص، مقابل 17 ألفًا في العام السابق، رغم أن عدد المقتنين والعملاء والهواة المتخصصين تجاوز 2500 شخص وتضاعف بأكثر من مرتين مقارنة بـ2025. القراءة هنا ليست أن المعرض تراجع، بقدر ما تكشف اختلافًا بين حركة الزوار العامة وبين الجمهور الأكثر ارتباطًا فعليًا بشراء الساعات ومتابعة الصناعة.

المستقلون أصبحوا جزءًا من المشهد الرئيسي
أحد أهم ما رسخته نسخة 2026 هو أن صناعة الساعات المستقلة لم تعد مساحة جانبية داخل المعرض. أسماء مثل «De Bethune» و«Greubel Forsey» و«MING» و«Czapek» و«Konstantin Chaykin» و«David Candaux» و«Lederer» حضرت إلى جوار علامات أكبر مثل «Bvlgari» و«Breitling» و«Zenith» و«Girard-Perregaux»، وهو ما جعل الانتقال بين المدارس المختلفة في صناعة الساعة جزءًا طبيعيًا من تجربة الزائر، لا رحلة منفصلة للبحث عن المستقلين.
هذا الحضور مهم لأن كثيرًا من هذه العلامات لا يمتلك شبكات بيع واسعة، وبعضها ينتج أعدادًا محدودة للغاية، لذلك تبقى المعارض واحدة من الفرص النادرة التي يستطيع فيها المقتني رؤية عدة قطع في يوم واحد والحديث مباشرة مع الأشخاص الذين صمموها أو طوروا حركاتها. ومع اتساع سوق الساعات المستقلة عالميًا، أصبح هذا القرب نفسه جزءًا من قيمة «Geneva Watch Days»، وليس مجرد طريقة لعرض المنتجات.

تعاون «Bvlgari» و«Vianney Halter» كان أكثر من توقيع اسمين
من أبرز إصدارات المعرض جاء التعاون الأول بين «Bvlgari» وصانع الساعات المستقل فياني هالتر في «Octo Finissimo Dual Time x Vianney Halter». احتفظت الساعة بالهندسة النحيفة والزوايا التي تعرف بها عائلة «Octo Finissimo»، لكنها تبنت في الوقت نفسه طريقة العرض متعددة الدوائر المرتبطة بأسلوب هالتر، مع توقيت ثانٍ وتاريخ ومؤشر لليل والنهار، وكل ذلك عبر حركة جديدة فائقة النحافة تحمل اسم «BVF 200».
قيمة التعاون جاءت من وضوح الطرفين داخله، فالساعة لم تبدُ كإصدار عادي أضيف إليه توقيع صانع مستقل، ولم تختف هوية «Bvlgari» تحت أسلوب هالتر. النسخة المصنوعة من التيتانيوم اقتصر إنتاجها على 30 قطعة بسعر 70 ألف فرنك سويسري، بينما حُددت نسخة الذهب الوردي بـ15 قطعة وسعر 108 آلاف فرنك، وهي أرقام وضعتها مباشرة في مساحة الجمع، لكن أهميتها كانت في نموذج التعاون نفسه بين دار كبيرة وصانع معروف بلغة تصميم شديدة الخصوصية.
ساعة بـ2900 فرنك جذبت اهتمامًا لا يقل عن التعقيدات الكبرى
في الطرف المقابل جاءت «M.A.D.3» من «M.A.D.Editions» بالتعاون مع فينسنت كالابريز، وبسعر 2900 فرنك سويسري قبل الضرائب. الساعة تعيد تقديم فكرة «Baladin» التي ارتبطت بكالابريز، حيث يتحرك موضع عرض الساعة حول الوجه بدل الاعتماد على عقارب تقليدية، مع مؤشر للدقائق وثوانٍ مركزية، وتعمل الآلية فوق حركة «La Joux-Perret G111» معدلة مع وحدة طورتها «MB&F».
ما جعل «M.A.D.3» لافتة لم يكن السعر وحده، بل أنها قدمت فكرة ميكانيكية واضحة يمكن فهمها من النظرة الأولى من دون الدخول إلى فئة الأسعار المرتفعة التي تهيمن على كثير من الإصدارات المستقلة. وفي معرض امتلأ بالتوربيونات والحركات المعقدة، أثبتت الساعة أن الشخصية وطريقة عرض الوقت ما زالتا قادرتين على صنع حديث واسع من دون الحاجة إلى رفع التعقيد والسعر معًا.

«De Bethune» أعادت قراءة مفهوم الساعة الرقمية
قدمت «De Bethune» واحدة من أكثر الساعات اختلافًا بصريًا مع «DB25 Digitale»، وهي لا تستخدم كلمة «رقمية» بمعناها الإلكتروني، بل تعود إلى معناها الأصلي في صناعة الساعات، حيث يُقرأ الوقت بالأرقام. تعرض الساعة الساعات بطريقة قافزة، بينما تتحرك الدقائق على قرص مستقل، وتتوسط الوجه كرة لعرض أطوار القمر، من دون الاعتماد على الشكل التقليدي للعقارب والمؤشرات.
الوجه نفسه مكون من 82 عنصرًا، وتستخدم «De Bethune» التيتانيوم المعالج بالألوان والتشطيبات المختلفة لصناعة مشهد أزرق تتوسطه كرة القمر، بينما تعمل الآلية بنظام كروي دقيق يدير عرض الساعات والدقائق. وهنا يظهر أحد الاتجاهات التي تكررت في جنيف، فعدد من العلامات لم يبحث عن تعقيد جديد بقدر ما أعاد التفكير في الطريقة التي نقرأ بها الوقت نفسه.
«MING» حاولت إصلاح مشكلة قديمة في ساعات التوقيت العالمي
من الإصدارات التي قدمت حلًا عمليًا أكثر من كونه استعراضًا بصريًا جاءت «MING 57.05 Comet»، وهي ساعة توقيت عالمي حاولت التعامل مع إحدى مشكلات هذا النوع من الساعات، اختلاف تطبيق التوقيت الصيفي بين المدن والدول.
قسّمت «MING» المدن إلى مجموعتين، المدن التي لا تغير توقيتها بقيت ثابتة على الحلقة الداخلية، بينما وُضعت المدن التي تطبق التوقيت الصيفي على حلقة منفصلة يمكن تحريكها نقرة واحدة بمقدار 15 درجة، فتتغير تلك المدن ساعة واحدة من دون التأثير في البقية. النظام ما زال قيد تسجيل براءة اختراع، واقتصر إنتاج الساعة على 200 قطعة، وهو مثال جيد على ابتكار لا يحتاج إلى إضافة وظيفة جديدة بقدر حاجته إلى تحسين وظيفة موجودة أصلًا.
«Zenith» نزعت الكرونوغراف من اسم ارتبط به لعقود
قدمت «Zenith» بدورها مفاجأة مختلفة مع «Chronomaster Solo Sport»، إذ أخذت هوية «El Primero» التي ارتبطت تاريخيًا بالكرونوغراف، وقدمتها في ساعة رياضية بثلاثة عقارب فقط. تحتفظ الحركة بالتردد المرتفع عند 5 هرتز، بينما تستخدم المجموعة وجوهًا وحواف خزفية دوارة، في محاولة لنقل جزء من شخصية «El Primero» إلى ساعة أبسط في الوظيفة وأكثر ملاءمة للاستخدام اليومي.
هذه الخطوة بدت للوهلة الأولى عكس ما تفعله العلامات عادةً عندما تستثمر اسمًا مشهورًا في إضافة مزيد من الوظائف، لكنها تعكس اتجاهًا آخر ظهر خلال المعرض، وهو تبسيط بعض المنتجات بدل تعقيدها، سواء من خلال تقليل الوظائف أو الأحجام أو السماكات.

«Gallet» تعود بعد 200 عام من تأسيسها
لم تكن جميع الأخبار عن ساعات جديدة، فالحدث شهد العودة الكاملة لعلامة «Gallet» في الذكرى المئوية الثانية لتأسيسها. تأسست الدار عام 1826 في «La Chaux-de-Fonds»، واستحوذت عليها «Breitling» في 2025، ثم أعيد إطلاقها رسميًا يوم 3 سبتمبر 2026 بأربع مجموعات جديدة، على أن تستفيد من البنية الصناعية وخدمات ما بعد البيع وشبكة التوزيع الخاصة بـ«Breitling».
تختلف هذه العودة عن محاولات إحياء أسماء تاريخية لا يبقى منها سوى الشعار، لأن «Gallet» تدخل السوق وهي تستند إلى بنية شركة قائمة، وفي الوقت نفسه تحاول الاحتفاظ بعلاقتها القديمة بساعات الطيران والسباقات والاستكشاف. نجاح التجربة لن يُقاس بحجم الأرشيف وحده، بل بقدرتها على إعطاء الاسم التاريخي مكانًا مقنعًا داخل سوق مزدحم بالعلامات القديمة والجديدة.
«Daniel Roth» أثبت أن الجديد قد يأتي من تقنية قديمة
في «Extra Plat Rose Gold Gilt»، لم تكن القصة في اختراع تعقيد جديد، بل في العودة إلى طريقة قديمة لصناعة وجه الساعة. يبدأ الوجه من قاعدة من الذهب الصلب، ثم تُنفذ عليه مراحل من الحجب والطلاء والتشطيب بحيث لا تُطبع الأرقام الرومانية والتوقيع فوق السطح، بل تظهر من الذهب الأصلي الموجود أسفل الطبقة السوداء. وتجمع الساعة كذلك بين نوعين من زخارف «Guilloché» المنفذة يدويًا، فيما تعمل بحركة «DR002» يدوية التعبئة مكونة من 143 جزءًا.
هذا النوع من الإصدارات يعيد التذكير بأن الابتكار في صناعة الساعات لا يعني دائمًا المزيد من المكونات أو براءة اختراع جديدة، ففي الطرف الأعلى من السوق يمكن أن تكون القيمة في استعادة حرفة قديمة وتنفيذها بمستوى يجعلها تبدو معاصرة من دون فقدان أصلها.
الأحجام الأصغر تواصل عودتها
واصلت الأحجام الأكثر توازنًا حضورها في جنيف، ومن أبرز الأمثلة «Laureato Fifty Tourbillon Micro-Rotor» من «Girard-Perregaux» بقطر 39 ملم. الساعة تجمع توربيونًا مع دوار صغير للتعبئة الأوتوماتيكية داخل حركة «GP8410» جديدة، وتقدم التعقيد في علبة أقل حجمًا من الصورة التقليدية المرتبطة بالساعات الميكانيكية الكبيرة.
وفي اتجاه مشابه، أعادت «Greubel Forsey» صياغة «GMT Balancier Convexe» داخل علبة تيتانيوم بقطر 42.9 ملم، أصغر من النسخة السابقة، مع استمرار الكرة الأرضية الدوارة والتوقيت العالمي ومؤشر التوقيت الصيفي والشتوي، واقتصر الإصدار على 22 قطعة. قد لا تبدو 42.9 ملم صغيرة بالمعنى التقليدي، لكنها خطوة واضحة بالنسبة إلى علامة اشتهرت بساعات ضخمة ثلاثية الأبعاد، وتؤكد أن قابلية الارتداء أصبحت جزءًا من النقاش حتى في أعلى مستويات التعقيد.

الأسعار كشفت سوقًا أكثر تباعدًا
الفارق بين «M.A.D.3» بسعر 2900 فرنك وساعات المستقلين التي تصل إلى عشرات أو مئات الآلاف لم يكن مجرد اختلاف طبيعي بين المنتجات، بل أصبح جزءًا واضحًا من صورة السوق. بعض العلامات تحاول تقديم تجربة ميكانيكية مميزة بسعر يمكن لشريحة أوسع الوصول إليه، بينما تتحرك علامات أخرى في اتجاه إنتاج أقل وأعمال يدوية أكثر وقطع موجهة مباشرة إلى كبار المقتنين.
هذا التباعد يجعل السؤال عن سبب وجود الساعة أكثر أهمية من السابق، فالعميل الذي يدفع ثلاثة آلاف فرنك يريد فكرة واضحة وقيمة يمكن فهمها، ومن يدفع مئة ألف أو أكثر يريد ما يتجاوز الندرة المصطنعة أو تغيير اللون. وربما لهذا حظيت الإصدارات التي قدمت فكرة واضحة، سواء في طريقة عرض الوقت أو الحرفة أو الوظيفة، باهتمام أكبر من ساعات تعتمد فقط على كونها محدودة العدد.
مزاد جمع 115 ألف فرنك لدعم صناع الساعات الجدد
حمل المعرض أيضًا جانبًا يتجاوز البيع والإطلاقات، إذ نظمت «Phillips» بالتعاون مع «Bacs & Russo» المزاد الخيري السنوي الرابع، وضم 16 قطعة وتجربة فريدة قدمتها العلامات المشاركة. جمع المزاد 115,500 فرنك سويسري لصالح مدرسة جنيف لصناعة الساعات وصندوق «Pierre Amstutz» الذي يدعم طلاب صناعة الساعات والميكروميكانيك الذين يواجهون صعوبات مالية، فيما سجلت قطعة فريدة قدمها «Konstantin Chaykin» أعلى نتيجة عند 24 ألف فرنك.
وبذلك ارتفع إجمالي ما جمعته المبادرة خلال أربع نسخ إلى 519,400 فرنك، وهي نقطة تحمل وزنًا خاصًا في صناعة تتحدث باستمرار عن نقص المهارات والحاجة إلى جيل جديد من الحرفيين. فالمعرض الذي يعرض مئات الساعات الجديدة يحتاج في النهاية إلى من يستطيع صنع هذه الحركات وتشطيبها وصيانتها بعد عقود.
ماذا تقول نسخة 2026 عن مستقبل «Geneva Watch Days»؟
أصبح «Geneva Watch Days» أكبر مما كان عليه عند تأسيسه، لكنه ما زال يحاول الاحتفاظ بفكرته الأصلية، معرض ينتشر داخل المدينة بدل أن يحتجز الجميع في قاعة واحدة، ويتيح مساحة للمستقلين إلى جوار الأسماء الكبيرة، ويمنح المقتني فرصة الاقتراب من الساعة وصانعها أكثر مما تسمح به بعض الأحداث الضخمة.
نسخة 2026 أكدت نجاح هذا النموذج، لكنها كشفت أيضًا التحدي المقبل، فكلما زاد عدد العلامات والإصدارات أصبح الحفاظ على هذه الحميمية أصعب. ومع ذلك، فإن أكثر ما بقي من الأيام الخمسة لم يكن رقم 71 علامة أو نحو 400 إصدار وحدهما، بل التنوع الذي أنتجته هذه المساحة، تعاون بين دار كبيرة وصانع مستقل، ساعة غير مألوفة بسعر أقل من ثلاثة آلاف فرنك، عودة اسم عمره قرنان، وحلول جديدة لتعقيدات يعرفها عالم الساعات منذ عقود.
لهذا لا تبدو نسخة 2026 مجرد أكبر نسخة من «Geneva Watch Days»، بل واحدة من أوضح الصور لما يحدث داخل صناعة الساعات حاليًا، سوق أكثر انفتاحًا على المستقلين، أكثر حساسية للسعر، وأكثر اهتمامًا بالحرفة وطريقة عرض الوقت، في وقت لم تعد فيه العلامة قادرة على الاعتماد على تاريخها أو ندرتها وحدهما كي تضمن اهتمام المقتنين.

