لم تعد المنافسة داخل سوق الساعات الأميركية تدور فقط حول الأسماء الأكثر شهرة أو المراجع التي يعرفها الجميع. في الدورة الحادية عشرة من «WatchTime New York»، التي انطلقت يوم 16 أكتوبر في مانهاتن، تشارك 48 علامة وهو العدد الأكبر في تاريخ الحدث، بينها 11 اسمًا ينضم للمرة الأولى، لكن تصريحات منظمي المعرض تكشف تحولًا أهم من نمو قائمة العارضين، إذ أصبح جزء من المقتنين الأميركيين يبحث عن ساعات أقل تقليدية، وعن الأشخاص الذين يقفون وراءها، وليس عن اسم العلامة وحده.
تقام نسخة 2026 في «Gotham Hall» من 16 إلى 18 أكتوبر، وتجمع بين الدور الكبرى وصناع الساعات المستقلين، مع إطلاقات عالمية وعروض أولى لعدد من الساعات. وبين المشاركين «بلانبان» و«شوبارد» و«بياجيه» و«زينيث»، إلى جانب أسماء مستقلة مثل «MB&F» و«أورفيرك» و«كاري فوتيلاينن» و«لوران فيرييه» و«ريسينس» و«تشابك». ويصف «WatchTime» الحدث بأنه فرصة للمقتنين لرؤية ساعات يصعب الوصول إليها عادة، والحديث مباشرة مع المؤسسين وصناع الساعات والمسؤولين عن تطويرها.
11 علامة جديدة في دورة تضم 48 اسمًا
تقول سارة أورلاندو، ناشرة «WatchTime»، إن نسخة هذا العام تستقبل 11 علامة جديدة، بينما وصل إجمالي العارضين إلى رقم قياسي بلغ 48 علامة. وتشمل الأسماء الجديدة «جيرالد جينتا» و«دانيال روث» و«جاكوب آند كو» و«كولوكيوم» و«كيريس» و«فرديناند بيرتود» و«سينغر» و«شفارتس إتيان» و«كودوكي»، إلى جانب إطلاقات جديدة يُكشف عن بعضها للمرة الأولى أمام الجمهور.
والمثير أن نمو المعرض لا يأتي من إضافة الدور الكبرى وحدها. «WatchTime» كانت قد أعلنت في أغسطس مشاركة 46 علامة، ثم ارتفع العدد مع اقتراب الافتتاح إلى 48، فيما أصبحت صناعة الساعات المستقلة جزءًا واضحًا من هوية الحدث، لا قسمًا صغيرًا إلى جوار الأسماء التقليدية.
الجامع الأميركي يبحث عن ساعة لا يراها على كل معصم
في حديثها إلى «FashionUnited»، قدمت أورلاندو تفسيرًا مباشرًا لهذا الاهتمام المتزايد بالمستقلين. فبحسب ملاحظاتها من المعرض، لم يعد بعض المقتنين الأميركيين متحمسًا لفكرة ارتداء الساعة نفسها التي يراها لدى الآخرين، وأصبح أكثر انجذابًا إلى الوجوه غير المعتادة والحركات الميكانيكية التي تقدم حلولًا وتصميمات مختلفة عن السائد.
هذه ليست نتيجة مسح إحصائي للسوق الأميركية، وإنما قراءة تستند إلى خبرة المنظمين واحتكاكهم المباشر بالمقتنين، ولذلك لا يمكن تعميمها على جميع المشترين في الولايات المتحدة. لكنها تتوافق مع طبيعة قائمة العارضين نفسها، التي تضم هذا العام عددًا كبيرًا من العلامات التي بنت مكانتها على طرق غير مألوفة لعرض الوقت أو على إنتاج محدود وحركات وتصاميم ذات شخصية واضحة.
«ريسينس» مثلًا بنت لغتها حول عرض دوار مختلف عن العقارب التقليدية، و«أورفيرك» طورت على مدار سنوات أنظمة غير مألوفة لقراءة الوقت، بينما تعتمد «MB&F» على قطع ميكانيكية تتعامل معها أقرب إلى أعمال هندسية متحركة منها إلى ساعة تقليدية. وجود هذه الأسماء في مكان واحد يمنح المقتني فرصة مقارنة مدارس لا تتشابه إلا في كونها ترفض الحل التقليدي نفسه.
الشخص الذي صنع الساعة أصبح جزءًا من قيمتها
التحول الثاني الذي تشير إليه أورلاندو يتعلق بما يشتريه الجامع فعلًا. فاهتمام بعض العملاء، بحسب تجربتها، لم يعد يتوقف عند الساعة أو شعار الشركة، وإنما يمتد إلى الأشخاص الموجودين خلف العلامة نفسها، وهي تصف ذلك بأن المقتنين أصبحوا يستثمرون أيضًا في الأشخاص الذين يقفون وراء هذه المشاريع.
هذه النقطة تحمل أهمية خاصة في الساعات المستقلة، إذ قد يكون مؤسس الشركة هو المصمم نفسه أو صانع الساعة أو الشخص الذي يشرح للعميل كيف ظهرت الفكرة ولماذا اختيرت آلية معينة. العلاقة هنا مختلفة عن شراء منتج من مجموعة عالمية ضخمة، لأن قصة الصانع ومسيرته وطريقته في العمل يمكن أن تصبح جزءًا من قرار الجمع.
ولهذا يركز برنامج «WatchTime New York» على حضور هؤلاء الأشخاص أنفسهم. قائمة ضيوف 2026 تضم مؤسسين وصناع ساعات ومديرين يلتقون المقتنين مباشرة داخل المعرض، فيما تصف «WatchTime» هذه المحادثات بأنها فرصة لفهم كيفية تطوير الساعة والقرارات التي أدت إلى شكلها النهائي.
المعرض يحاول إزالة الحاجز بين الصانع والجامع
ميندا لارسن، مديرة «WatchTime New York»، تقول إن أحد أهدافها منذ تأسيس الحدث كان أن يشعر الزائر بأنه يستطيع الاقتراب والسؤال من دون رهبة. وتربط ذلك بما تصفه بفضول الجمهور الأميركي ورغبته في التعلم عندما يواجه علامة أو ساعة لا يعرفها، ولذلك حاولت بناء معرض أكثر ترحيبًا وأقل رسمية من الصورة التقليدية لبعض أحداث الساعات الفاخرة.
هذا التوجه يبدو بسيطًا، لكنه يمس مشكلة حقيقية في صناعة تعتمد على منتجات قد يصل سعرها إلى عشرات أو مئات الآلاف من الدولارات. البيئة شديدة الرسمية يمكن أن تجعل الزائر الجديد مترددًا في الاقتراب أو طرح سؤال يراه بسيطًا، بينما تعتمد العلامات المستقلة تحديدًا على شرح قصتها وفكرتها، لأن كثيرًا من العملاء لم يسمعوا باسمها من قبل.
ولهذا لا يقيس المنظمون التجربة بحجم الأجنحة أو مظاهر الضيافة، بل يؤكدون أن الجامع هو الجمهور الأساسي للحدث. وهو فرق مهم بين معرض يركز على العلاقات التجارية بين العلامات والتجار، وفعالية مفتوحة بُنيت لكي يلتقي فيها الشخص الذي قد يشتري الساعة بمن صنعها أو يمثلها.
حتى اختيار العلامات يتأثر بالمقتنين
تقول لارسن إن ملاحظات الجمهور لا تُجمع بعد انتهاء المعرض ثم تحفظ في تقرير داخلي، بل تدخل في قرارات النسخة التالية، من العلامات التي تتم دعوتها إلى أسعار التذاكر والموضوعات المطروحة في الجلسات وحتى بعض تفاصيل التجربة داخل الحدث.
وهنا يتحول الجامع من متلقٍ للبرنامج إلى طرف يؤثر في تكوينه، فإذا ازداد الطلب على المستقلين أو ظهرت رغبة في مقابلة أسماء بعينها، يستطيع المعرض تعديل قائمته وبرنامجه وفقًا لذلك. وهذا قد يفسر جزئيًا توسع الحضور المستقل عامًا بعد آخر.
النموذج يختلف عن المعارض التجارية التقليدية التي كان دخولها تاريخيًا مرتبطًا بالصحافة والتجار والوكلاء. «WatchTime New York» بدأ أصلًا في مرحلة كانت فيها الفعاليات المغلقة أكثر حضورًا في صناعة الساعات، بينما اختار منذ البداية التركيز على المقتنين والجمهور، وهو الاتجاه الذي أصبح لاحقًا أكثر وضوحًا في أحداث أخرى حول العالم.
من جنيف إلى الرياض ونيويورك.. المعرض لم يعد مجرد مكان للكشف
ما يحدث في نيويورك ليس معزولًا عن تغير أوسع في صناعة الساعات. في جنيف، أصبحت اللقاءات المباشرة مع المستقلين أحد العناصر الأساسية في «Geneva Watch Days»، بينما اختبر «Timeology Nights» في الرياض نموذجًا يجمع العلامات وصناع الساعات والمقتنين داخل مساحة واحدة، مع جلسات وورش وإصدارات طُورت للسوق المحلية.
الاختلاف أن كل مدينة تبني النموذج بطريقتها. «WatchTime New York» يركز بوضوح على طابع أميركي أقل رسمية، ويقدم نفسه كحدث للمقتنين وليس منافسًا مباشرًا للمعارض الأوروبية الأكبر. أورلاندو نفسها تقول إن الهدف الحالي هو أن يكمل حدثًا مثل «Watches and Wonders» لا أن يحل محله، من خلال تجربة أكثر تركيزًا على المستهلك والجامع.
والنتيجة أن قيمة معرض الساعات لم تعد مرتبطة بكونه المكان الوحيد الذي يمكن فيه مشاهدة إصدار جديد، فالصور والمواصفات والأسعار تصل إلى الجمهور لحظة الإعلان عنها عبر الإنترنت. القيمة التي يصعب نقلها إلى شاشة هي أن يمسك الجامع الساعة، ويتحدث مع صانعها، ويفهم لماذا صُممت بهذه الطريقة قبل أن يقرر إن كانت تستحق مكانًا في مجموعته.
المستقلون يستفيدون أكثر من هذه العلاقة
بالنسبة إلى دار عالمية تملك شبكة متاجر ضخمة، يظل المعرض قناة مهمة للتواصل، لكنه ليس الطريقة الوحيدة التي يستطيع العميل من خلالها الوصول إلى منتجاتها. الوضع مختلف لدى كثير من المستقلين، الذين ينتجون أعدادًا صغيرة ولا يمتلكون وجودًا فعليًا في عشرات المدن.
أورلاندو تقول إن «WatchTime New York» ساعد خلال السنوات الماضية بعض العلامات على دخول السوق الأميركية، كما منح المقتنين فرصة رؤية ساعات حرفية ربما لم يكن من الممكن الوصول إليها بغير ذلك. وهذا يفسر لماذا أصبح حضور المستقلين أحد العناصر التي يفخر بها منظمو الحدث.
ولذلك فإن نمو عددهم لا يعكس فقط شهية السوق للمنتجات المختلفة، بل تغيرًا في الطريقة التي يكتشف بها الجامع العلامة الجديدة. بدل أن تبدأ العلاقة بإعلان أو متجر، قد تبدأ بمحادثة مع الصانع نفسه، ثم تأتي الساعة بعدها.
هل تغير ذوق الجامع الأميركي فعلًا؟
ما يقوله منظمو «WatchTime New York» يقدم إشارة قوية، لكنه لا يكفي وحده لإعلان تحول شامل في السوق الأميركية. التصريحات لا تستند إلى دراسة تمثيلية لكل مقتني الساعات أو بيانات مبيعات تقارن المستقلين بالدور الكبرى، كما أن المعرض نفسه يجذب بطبيعته جمهورًا أكثر اهتمامًا بالساعات من المشتري العادي.
لكن ما يمكن رصده بوضوح هو تغير البيئة التي تحيط بعملية الجمع. 48 علامة تشارك هذا العام، 11 منها تدخل المعرض للمرة الأولى، والمستقلون أصبحوا جزءًا رئيسيًا من القائمة، بينما يبني المنظمون البرنامج حول لقاء الجامع بالأشخاص الذين صنعوا الساعة بدل الاكتفاء بعرضها خلف الزجاج.
وهذا ربما يكون التحول الأكثر أهمية في قصة «WatchTime New York». الساعة المختلفة تجذب الانتباه، لكن معرفة من صنعها ولماذا صنعها بهذه الطريقة أصبحت جزءًا متزايدًا من التجربة نفسها. فإذا استمر هذا الاتجاه، لن تكون المنافسة في سوق الجمع بين المنتجات وحدها، بل بين القصص والأشخاص والأفكار التي تقف وراءها أيضًا.

التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.