تستعد دار المزادات البريطانية «Bonhams» للعودة إلى مزادات الساعات الحية في نيويورك يوم 8 ديسمبر 2026، بعد سنوات اعتمدت فيها بصورة أكبر على المزادات الإلكترونية في السوق الأميركية، لكن أهمية العودة لا تكمن في الموعد وحده. فالرجل الذي يقود المرحلة الجديدة للدار في الولايات المتحدة يقول إن المشكلة الأكبر في سوق الساعات المستعملة اليوم لم تعد العثور على المشتري، بل العثور على الساعة النادرة أصلًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأسماء مثل «F.P. Journe» و«Kari Voutilainen» و«Philippe Dufour» و«Richard Mille».
عيّنت «Bonhams» في أكتوبر «Reg Brack» مديرًا دوليًا للساعات في الولايات المتحدة، بعد مسيرة تمتد لأكثر من 20 عامًا شملت العمل في «Christie’s» و«Freeman’s» و«StockX» و«The NPD Group». ومهمته لا تقتصر على إدارة المزادات، بل تشمل تطوير الأعمال وعلاقات العملاء وزيادة حصة الدار في السوق الأميركية، التي أصبحت واحدة من أهم أسواق الساعات الفاخرة والجامعين عالميًا.
العودة إلى قلب موسم مزادات نيويورك
سيقام مزاد 8 ديسمبر في المقر الأميركي الجديد لـ«Bonhams» داخل «Steinway Hall» في 111 West 57th Street بمانهاتن، وهو مقر افتتحته الدار خلال 2026 ويمتد على نحو 42,000 قدم مربعة موزعة على 4 طوابق، مع قاعتي مزادات ومساحات عرض أكبر بنحو 30% من مقرها السابق في «Madison Avenue».
ويقول «Brack» إن المزاد سيكون أول مزاد حي للساعات تقيمه «Bonhams» في نيويورك منذ سنوات، مع استمرار جزء إلكتروني موازٍ قبل المزاد وأثناءه، ما يعيد الدار إلى أسبوع المزادات التقليدي الذي يجذب الجامعين الدوليين إلى المدينة في بداية ديسمبر.
وهذا التوقيت مهم لأن نيويورك أصبحت ساحة تنافس مباشرة بين «Phillips» و«Christie’s» و«Sotheby’s» على أكبر المجموعات والقطع النادرة، بينما لم تحقق «Bonhams» في السنوات الأخيرة الحضور نفسه في الساعات الذي حققته منافساتها، وهو ما تعترف به التغطية المنشورة حول الاستراتيجية الجديدة للدار.
المنافسة الحقيقية تبدأ قبل المزاد
في سوق المزادات، يبدو للمشاهد أن المنافسة تبدأ عندما يرفع المشترون أرقامهم داخل القاعة، لكن المنافسة الأهم تحدث قبل ذلك بكثير، عندما تحاول دور المزادات إقناع الجامع بأن يضع ساعته لديها أصلًا.
وعند سؤال «Brack» عن صعوبة الحصول على الساعات المهمة، كانت إجابته واضحة، فـ«Bonhams» تستهدف بالفعل الساعات المستقلة مرتفعة القيمة إلى جانب العلامات الكبرى، وقد حصلت على ساعتين من «Richard Mille» لمزاد ديسمبر، بينما قال إن ساعة مهمة من «F.P. Journe» قد تنضم أيضًا إلى المزاد. وفي رأيه، أصبحت المنافسة على الإيداعات شديدة إلى درجة أن العثور على الساعة المناسبة أصبح أصعب من العثور على مشترٍ لها بعد وصولها إلى السوق.
هذه الملاحظة لا تخص «Bonhams» وحدها، فبحسب «Brack»، يخبره تجار الساعات المستعملة حول العالم بالشيء نفسه، المشكلة الأصعب اليوم هي العثور على القطع الجيدة، أما بيعها فأصبح أسهل نسبيًا.
وهذا يكشف تحولًا مهمًا في سوق الجامعين، فالمعروض الحقيقي من القطع المهمة محدود بطبيعته، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بساعات مستقلة منخفضة الإنتاج أو ساعات قديمة بحالة جيدة وتاريخ ملكية موثق، بينما ازداد عدد المشترين القادرين والراغبين في المنافسة عليها.
لماذا أصبحت ساعات المستقلين هدفًا رئيسيًا؟
الأسماء التي ذكرها «Brack» ليست عشوائية. «F.P. Journe» و«Kari Voutilainen» و«Philippe Dufour» تمثل اليوم قمة سوق صناعة الساعات المستقلة لدى شريحة واسعة من الجامعين، بسبب محدودية الإنتاج، وارتباط الساعات مباشرة باسم الصانع، وقوة الأداء في المزادات خلال السنوات الأخيرة.
وعندما تدخل دار مثل «Bonhams» السوق بحثًا عن هذه القطع، فهي لا تنافس فقط دور المزادات الأخرى، بل تنافس أيضًا تجار الساعات المستعملة والمنصات الخاصة وشبكات البيع المباشر بين الجامعين، وكلها تريد الوصول إلى القطعة نفسها قبل ظهورها علنًا.
لهذا لم يعد تخفيض العمولة أو تحسين شروط البيع كافيًا دائمًا. يقول «Brack» إن البائع يريد أن يعرف من يفهم ساعته أكثر، ومن يستطيع شرح سبب أهميتها، ومن يملك الشغف الحقيقي بالقطعة، لا من يقدم أقل عمولة فقط.
أكثر من 90% من مزادها الإلكتروني الأخير تم بيعه
تأتي العودة إلى المزادات الحية بعد نتيجة قوية نسبيًا لمزاد «Bonhams» الإلكتروني الأخير في نيويورك، إذ يقول «Brack» إن نسبة البيع تجاوزت 90%، مع ارتفاع واضح في التسجيل والمزايدة والنشاط طوال فترة المزاد، بدل انتظار المشترين اللحظات الأخيرة فقط.
ومن النتائج التي أشار إليها تسجيل رقم قياسي عالمي لساعة «Breguet» بالمرجع «3130BA»، وبيع ساعة «Audemars Piguet» بتقويم دائم مقابل نحو 41,000 دولار، إلى جانب ساعة سوار كبيرة من «Patek Philippe» تعود إلى السبعينيات مقابل 28,000 دولار.
لكن الرقم الأكثر إثارة بالنسبة إلى اتجاه السوق لم يكن سعرًا، بل عمر المشترين، فـ«Brack» يقول إن متوسط أعمار عملاء الساعات لدى الدار انخفض إلى الأربعينيات، مع ظهور مشترين من جيل «Gen Z» يدخلون السوق القديمة في أعمار أصغر بكثير.
جيل جديد يبحث عن ساعات أصغر وأقدم
تكشف بيانات «Bonhams» الداخلية عن تحول آخر في الذوق، إذ يقول «Brack» إن مشترين في العشرينيات من أعمارهم يتجهون إلى ساعات «Rolex Lady-Datejust» القديمة بقياسات 26 و28 ملم، بينما ازداد الطلب أيضًا على ساعات الأساور والكوكتيل من الستينيات والسبعينيات.
ووصف ساعة «Patek Philippe» كبيرة من السبعينيات بيعت مؤخرًا مقابل 28,000 دولار بأنها قطعة كان من الصعب جدًا بيعها قبل 5 سنوات، بينما أصبحت هذه الفئة مطلوبة اليوم.
هذا التحول يضيف طبقة أخرى إلى المنافسة بين دور المزادات، لأن النجاح لم يعد قائمًا فقط على إحضار أشهر المراجع الرياضية من «Rolex» و«Patek Philippe»، بل على القدرة على اكتشاف الفئة التالية التي يبدأ الجامعون في إعادة تقييمها قبل أن تتحول إلى سوق مزدحمة.
تأثير «Rolex» يمتد إلى السوق القديمة
يربط «Brack» جزءًا من هذا التحول بطريقة بيع الساعات الجديدة نفسها، خصوصًا تجربة بعض العملاء مع قوائم الانتظار لدى وكلاء «Rolex». ويقول إنه يختبر المتاجر بنفسه بصفته مشتريًا عاديًا، ويرى أن تجربة محاولة شراء ساعة جديدة قد تكون محبطة بما يكفي لدفع العميل إلى التفكير في السوق القديمة بدلًا منها.
الفكرة لا تعني أن «Rolex» وحدها صنعت ازدهار الساعات القديمة، لكنها تشرح إحدى الطرق التي ينتقل بها المشتري من السوق الأولية إلى السوق الثانوية، فعندما يصبح الوصول إلى المرجع الجديد صعبًا، يبدأ البعض في البحث داخل تاريخ العلامة نفسها، وهناك يكتشفون ساعات أقل انتشارًا وربما أكثر تميزًا من حيث الحالة والتاريخ والندرة.
وبحسب «Brack»، أصبح هذا التأثير يمتد إلى قطاعات كثيرة من السوق، من الساعات القديمة إلى أحجام أصغر ونماذج متوقفة عن الإنتاج.
«Bonhams» تريد التعامل مع الجامع كعميل فاخر لا كمزايد فقط
جزء من الاستراتيجية الجديدة لا يتعلق بالساعات نفسها، بل بطريقة التعامل مع العميل. فقد أعادت «Bonhams» بناء فريقها الأميركي، وانضمت «Kirklyn Eaton» للمبيعات في الولايات المتحدة بعد عملها لدى «Analog:Shift» التابعة لـ«Watches of Switzerland»، إلى جانب المتخصصة «Janet Ma».
وتقول الدار إنها تريد تطبيق معايير خدمة العملاء المستخدمة في تجارة التجزئة الفاخرة على المزادات، مع مشاركة العلاقات بين المتخصصين بدل احتفاظ كل موظف بعملائه بصورة منفصلة، إضافة إلى ربط قسم الساعات بأقسام المجوهرات والحقائب والنبيذ والأزياء، انطلاقًا من أن جامع الساعات قد يكون جامعًا لفئات فاخرة أخرى في الوقت نفسه.
هذه الاستراتيجية مهمة لأن دور المزادات الكبرى لم تعد مجرد منصات لرفع المطرقة، بل أصبحت تتنافس على علاقة طويلة الأجل مع الجامع، بداية من تقييم مجموعته وحتى البيع الخاص والمزاد والاستشارات.
نيويورك تتحول إلى مركز أقوى للجامعين
يرى «Brack» أن الولايات المتحدة أصبحت مركزًا رئيسيًا للسلع الفاخرة عالميًا، وأن النظرة التي كانت لدى بعض دور الساعات السويسرية تجاه السوق الأميركية قبل عقد تغيرت جذريًا. ويستشهد بما يحدث في «New York Watch Week»، و«WatchTime New York»، و«Windup Watch Fair»، وحضور العلامات المستقلة وتجار التجزئة، باعتباره دليلًا على تطور ثقافة جمع الساعات في الولايات المتحدة.
وهذا السياق يفسر أيضًا استثمار «Bonhams» في مقر ضخم جديد في شارع 57، لا بوصفه مكانًا لإقامة المزادات فقط، بل مساحة للمعارض والفعاليات واستقبال الجامعين طوال العام. المقر الجديد يضم قاعتي مزادات ومساحات عرض واسعة واستوديوهات تصوير ومستودعات مركزية، وهو استثمار يعكس حجم الرهان على السوق الأميركية.
معركة ديسمبر تبدأ الآن
قد يبدو أن اختبار «Bonhams» الحقيقي سيأتي يوم 8 ديسمبر عندما يبدأ المزاد الحي، لكن السوق ستحدد جزءًا كبيرًا من نجاحه قبل ذلك، من خلال القطع التي تستطيع الدار الحصول عليها.
إذا نجحت في إدخال ساعة مهمة من «F.P. Journe» وساعات قوية من «Richard Mille» وغيرها من القطع المستقلة والنادرة، فستكون قد قطعت الخطوة الأصعب، لأن المشترين موجودون أصلًا ويتابعون أسبوع مزادات نيويورك عبر أكثر من دار.
أما إذا بقيت أفضل القطع في أيدي المنافسين، فلن يكفي المقر الجديد أو العودة إلى المزادات الحية وحدهما لاستعادة موقع متقدم.
وهذا هو التحول الأهم في سوق المزادات اليوم، فالمزاد لم يعد معركة على من يدفع أكثر فقط، بل أصبح معركة تبدأ قبل ذلك بكثير على من يستطيع إقناع مالك الساعة النادرة بأن يضعها بين يديه أصلًا.

Comments
No comments yet.