تدخل ساعة كرونوغراف ذهبية من «ليمانيا» مزاد 1«أنتيكوروم» في نيويورك يوم 18 أكتوبر 2026 وهي تحمل قصة قد تكون أهم بكثير من تقديرها المالي البالغ بين ألفي و4 آلاف دولار، إذ تقدمها دار المزادات باعتبارها ساعة أهديت من «فيراري» إلى سائقها الإيطالي «لويجي فيلوريسي» خلال خمسينيات القرن الماضي، في الفترة التي كان فيها أحد أبرز وجوه فريق السباقات الإيطالي، لكن هذه المرة تظهر مفارقة لافتة، فبينما تبدو العلاقة بين «فيراري» و«فيلوريسي» موثقة عبر عدد من الساعات الأخرى التي حملت إهداءات مرتبطة بانتصارات محددة، يأتي وصف هذه القطعة أقل تفصيلًا، من دون تحديد المناسبة التي قُدمت فيها، ما يجعل تاريخ الملكية نفسه جزءًا من القصة، وليس مجرد هامش عليها.
تعرض «أنتيكوروم» الساعة باعتبارها القطعة رقم 62 في مزاد «Important Modern & Vintage Timepieces»، وتصفها بأنها كرونوغراف يدوي التعبئة مصنوع من الذهب الأصفر عيار 18 قيراطًا، يعود تقريبًا إلى خمسينيات القرن الماضي، بقطر 34 ملم وحركة ميكانيكية تضم 17 حجرًا وظيفيًا، مع توقيع «ليمانيا» على وجه الساعة والعلبة والحركة، والأهم أنها ستباع دون سعر احتياطي، أي إن الدار لا تضع حدًا أدنى معلنًا يجب بلوغه لإتمام البيع.
ساعة صغيرة أمام تاريخ أكبر منها
من الناحية الميكانيكية، لا يقدم كتالوج المزاد هذه «ليمانيا» بوصفها قطعة استثنائية من حيث التعقيد، فهي كرونوغراف يدوي كلاسيكي من حقبة ازدهرت فيها الساعات المخصصة للتوقيت الرياضي، لكن ارتباطها المعلن بـ«فيراري» و«لويجي فيلوريسي» ينقلها إلى مساحة مختلفة تمامًا، لأن «فيلوريسي» لم يكن مجرد سائق مرّ لفترة قصيرة داخل الفريق الإيطالي، بل كان أحد العناصر المهمة في السنوات التي بنت فيها «فيراري» حضورها في سباقات الجائزة الكبرى والسباقات الطويلة بعد الحرب العالمية الثانية.
تؤكد السجلات الرسمية لـ«فورمولا 1» أن «فيلوريسي» قاد لـ«فيراري» في بطولة العالم خلال بداية الخمسينيات، وحقق عدة منصات تتويج، منها المركز الثالث في سباقات بلجيكا وفرنسا وبريطانيا خلال موسم 1951، بينما توثق «فيراري» مشاركته ضمن أول تشكيلة للفريق في بطولة العالم عام 1950 إلى جانب «ألبرتو أسكاري» و«ريمون سومر».
لكن أحد أهم انتصاراته خارج بطولة «فورمولا 1» جاء في سباق «Mille Miglia» عام 1951، عندما قاد «Ferrari 340 America Berlinetta» إلى الفوز بزمن بلغ 12 ساعة و50 دقيقة و18 ثانية، وفق السجل الرسمي للسباق، وهو الانتصار الذي أصبح مرتبطًا مباشرة بإحدى الساعات التي قدمتها «فيراري» له.
«فيراري» كانت تهدي «فيلوريسي» الساعات بالفعل
أهمية هذه النقطة أنها تمنع التعامل مع قصة ساعة «ليمانيا» باعتبارها ادعاءً معزولًا تمامًا، فهناك سوابق موثقة لعدد من الساعات التي قُدمت إلى «فيلوريسي» من «إنزو فيراري»، وبعضها يحمل نقوشًا تربط كل قطعة بسباق محدد.
في المزاد نفسه الذي يقام يوم 18 أكتوبر، تعرض «أنتيكوروم» في القطعة السابقة مباشرة، رقم 61، ساعة «بريتلينغ Mille Miglia» من الذهب الأصفر، تحمل رقم العلبة 755123، وتقول الدار إنها قُدمت إلى «فيلوريسي» احتفالًا بفوزه في «Mille Miglia» عام 1951. وتقدر قيمتها بين 10 آلاف و15 ألف دولار، وقد ظهرت الساعة نفسها سابقًا في مزاد لـ«أنتيكوروم» عام 2015، حيث بيعت مقابل 16250 دولارًا.
وتوجد أمثلة أخرى أكثر وضوحًا، ففي يونيو 2025 باعت «كريستيز» ساعة «أوديمار بيغيه» قالت إن «إنزو فيراري» قدمها لـ«فيلوريسي» بعد فوزه في سباق «Daily Mail Trophy» عام 1952 مقابل 40320 دولارًا، كما باعت ساعة كرونوغراف أحادية الضاغط من «لوينثال»، أهداها «فيراري» إلى السائق بعد فوزه في سباق سيراكوزا عام 1951، مقابل 25200 دولار.
كما تحتفظ سجلات «كريستيز» بساعات أخرى ارتبطت بإهداءات من «فيراري» إلى «فيلوريسي»، بينها كرونوغراف يحمل نقشًا يشير إلى المركز الثالث في سباق الجائزة الكبرى البلجيكي عام 1951، وهو ما يؤكد أن تقديم الساعات للسائق بعد النتائج المهمة لم يكن حدثًا منفردًا.
لكن إثبات أن «فيراري» قدمت ساعات عديدة إلى «فيلوريسي» لا يثبت تلقائيًا تاريخ كل ساعة تظهر اليوم باسمه، وهنا تكمن النقطة التي تحتاج إلى أكبر قدر من الدقة في التعامل مع «ليمانيا» الحالية.
ما الذي نعرفه عن هذه «ليمانيا» تحديدًا؟
يقدم كتالوج «أنتيكوروم» القطعة رقم 62 بعنوان واضح يقول إنها ساعة من «ليمانيا» أهديت من «فيراري» إلى «جيجي فيلوريسي»، لكنه لا يحدد في النص المنشور سباقًا بعينه أو سنة الإهداء الدقيقة، ويكتفي بتأريخ الساعة تقريبًا إلى خمسينيات القرن الماضي، كما لا يقدم شرحًا لسلسلة انتقال الملكية أو وثائق مستقلة تؤكد المناسبة التي ارتبط بها الإهداء.
وهذا فارق مهم عند مقارنتها بالقطعة رقم 61 المجاورة، فساعة «بريتلينغ» مرتبطة في الكتالوج مباشرة بفوز «Mille Miglia» عام 1951، ويتضمن وصفها رقم العلبة وتاريخ السباق والنتيجة، بينما لا يقدم وصف «ليمانيا» المستوى نفسه من التفصيل.
لهذا فإن الصياغة الأدق صحفيًا ليست القول إن الساعة «ثبت» أنها هدية من «فيراري»، وإنما إن «أنتيكوروم» تعرضها وتصفها باعتبارها هدية من «فيراري» إلى «فيلوريسي»، في حين لم نعثر ضمن المصادر المنشورة التي راجعناها على وثيقة مستقلة تحدد المناسبة التي قُدمت فيها هذه القطعة تحديدًا.
لماذا يبدأ تقديرها من ألفي دولار فقط؟
قد يبدو التقدير بين ألفي و4 آلاف دولار منخفضًا جدًا مقارنة بالساعات الأخرى المرتبطة بالسائق نفسه، لكن هذا الاختلاف يكشف شيئًا مهمًا عن سوق الساعات التاريخية، فالقيمة لا تتكون من اسم المالك السابق وحده، بل من قوة الإثبات وسلسلة الملكية والنقوش والوثائق وحالة الساعة وأهمية الصانع والنموذج نفسه.
ساعة «بريتلينغ» المجاورة ترتبط بفوز محدد في واحد من أشهر سباقات السيارات التاريخية، وتحمل سجلًا سابقًا في المزادات، ولهذا يصل تقديرها إلى 15 ألف دولار، أما ساعة «ليمانيا» فتأتي بتقدير أدنى كثيرًا، رغم أن «أنتيكوروم» تصفها بأنها تاريخية، كما تشير الدار إلى وجود خدوش طفيفة في العلبة وبعض الأكسدة والخدوش على وجه الساعة، وتوصي بإجراء صيانة للحركة على نفقة المشتري.
ولا يعني التقدير المنخفض أن المطرقة ستتوقف عند 4 آلاف دولار، خصوصًا أن القطعة تُباع دون سعر احتياطي، لكنه يجعل النتيجة النهائية للمزاد اختبارًا مثيرًا لمدى استعداد المقتنين لدفع علاوة مقابل القصة المعلنة عندما تكون تفاصيل توثيقها أقل اكتمالًا من قطع أخرى مرتبطة بالشخص نفسه.
«ليمانيا» ليست اسمًا هامشيًا في تاريخ الكرونوغراف
حتى بعيدًا عن «فيراري»، تحمل «ليمانيا» وزنًا حقيقيًا في تاريخ صناعة الساعات السويسرية، فقد تخصصت الشركة في تطوير حركات الكرونوغراف وأجهزة قياس الزمن، ودخلت عام 1932 في المجموعة الصناعية نفسها التي ضمت «أوميغا» و«تيسو»، لتصبح لاحقًا مصدرًا لعدد من الحركات التي لعبت أدوارًا أساسية في تاريخ الكرونوغراف السويسري.
ولهذا لا تأتي الساعة المعروضة من علامة مجهولة أضيف إليها اسم سائق مشهور لاحقًا، بل من صانع ارتبط تاريخيًا بصناعة حركات الكرونوغراف، وهو ما يمنح القطعة أساسًا تقنيًا يتناسب مع عالم سباقات السيارات الذي جاءت منه قصتها.
ثلاث ساعات متجاورة تروي علاقة «فيراري» بأحد سائقيها
ربما تصبح القصة أكثر وضوحًا عند النظر إلى ترتيب القطع داخل مزاد «أنتيكوروم» نفسه، فالقطعة 61 هي «بريتلينغ» المرتبطة بفوز «Mille Miglia»، والقطعة 62 هي «ليمانيا» التي تقدمها الدار باعتبارها هدية أخرى من «فيراري» إلى «فيلوريسي»، ثم تأتي القطعة 63، وهي ساعة «سابينا» يقول الكتالوج إنها قُدمت له بعد حصوله مع «ألبرتو أسكاري» على المركز الثاني في «Carrera Panamericana» عام 1951. ويحول هذا التجاور المزاد من بيع ساعات منفردة إلى نافذة صغيرة على الطريقة التي كانت بها «فيراري» تربط إنجازات سائقيها بمقتنيات شخصية يمكن أن تعيش بعد السباق بعقود.
وتتفق هذه الصورة مع التاريخ الرياضي نفسه، فقد كان «فيلوريسي» أحد أكثر السائقين خبرة في الفريق، كما لعب دورًا مهمًا في مسيرة صديقه وتلميذه «ألبرتو أسكاري»، وبقي مع «فيراري» بين 1949 و1953 قبل انتقالهما معًا إلى «لانسيا»، وفق التوثيق التاريخي لمجلة «Motor Sport».
ليست كل قصة عظيمة في المزاد مرتبطة بسعر ضخم
تبدو ساعة «ليمانيا» مختلفة عن كثير من نجوم مزاد «أنتيكوروم» يوم 18 أكتوبر، فلا تقدير بمئات آلاف الدولارات، ولا تعقيد ميكانيكي نادر، ولا إصدار محدود يحمل رقمًا أسطوريًا، ومع ذلك قد تكون من أكثر القطع إثارة للأسئلة.
فالساعة التي يقدر ثمنها بألفي إلى 4 آلاف دولار تحمل، وفق دار المزادات، رابطًا مباشرًا بأحد أهم فصول البدايات المبكرة لـ«فيراري»، لكن قيمة هذا الرابط ستتوقف في النهاية على مقدار ما يستطيع تاريخ القطعة إثباته، لا على جمال القصة وحده.
وهذه ربما تكون المفارقة الأهم في سوق الساعات التاريخية، فالذهب والحركة واسم الصانع يمكن تقييمها بسهولة نسبيًا، أما الماضي نفسه، فكلما كانت أوراقه ونقوشه وسلسلة ملكيته أكثر وضوحًا، تحول من حكاية جميلة إلى جزء حقيقي من قيمة الساعة.

التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.