قبل أن تصبح «Tambour» الوجه الأكثر شهرة لساعات «Louis Vuitton»، كانت الدار الفرنسية قد دخلت عالم ساعات المعصم بتجربة مختلفة تمامًا في 1988، عندما استعانت بالمعمارية والمصممة الإيطالية «غاي أولنتي» لتصميم ساعتي «LV I» و«LV II»، بعلبة مستديرة تشبه الحصاة، ومن دون عروات تقليدية، مع تاج في موضع الساعة 12. وبعد 38 عامًا تعود الفكرة إلى المجموعة الدائمة للدار عبر «Louis Vuitton Monterey» بنسختين من السيراميك الأسود والأخضر، لكن الاختلاف الأكبر هذه المرة يوجد في الداخل، إذ تخلت الساعة عن حركة الكوارتز الأصلية لمصلحة حركة ميكانيكية أوتوماتيكية طورتها «La Fabrique du Temps Louis Vuitton».
ظهرت الساعتان الجديدتان خلال خريف 2026، لكن «Fratello» نشرت في 19 أكتوبر تجربة عملية لهما أعادت الضوء إلى واحدة من أكثر تصميمات «Louis Vuitton» غرابة في تاريخها. ويبلغ قطر العلبة 37 ملم، وهو القياس نفسه الذي استخدمته النسخة الخزفية الأصلية «LV II» في 1988، فيما تدخل النسختان الجديدتان المجموعة الدائمة للدار بدل طرحهما بإنتاج محدود، بسعر رسمي يبلغ 22,900 دولار في الولايات المتحدة.
قبل «Tambour» بـ14 عامًا
من السهل ربط تاريخ ساعات «Louis Vuitton» بظهور «Tambour» في 2002، لكنها لم تكن البداية الفعلية، فقد قدمت الدار في 1988 أول ساعتي معصم تحملان اسمها، «LV I» و«LV II»، بالتعاون مع «غاي أولنتي»، المعمارية الإيطالية التي ارتبط اسمها أيضًا بتحويل محطة قطارات «Gare d’Orsay» في باريس إلى متحف «Musée d’Orsay». وتولت «IWC» الجانب الصناعي للمشروع في تلك الفترة، بينما جاءت الساعتان بحركتي كوارتز وتصميم يكاد يخلو من الخطوط المعتادة لساعات الثمانينيات.
كانت «LV I» الأكبر والأكثر تعقيدًا، بعلبة ذهبية قطرها نحو 40 ملم ووظائف تشمل التوقيت العالمي وأطوار القمر والتاريخ والمنبه، بينما جاءت «LV II» بعلبة أصغر قطرها 37 ملم من السيراميك الأسود أو الأخضر، مع التاريخ ووظيفة المنبه. وتشير المصادر المتخصصة إلى إنتاج نحو 4,000 قطعة من «LV II»، وهي الساعة التي تستند إليها بصورة مباشرة نسختا 2026 الجديدتان.
والتصميم نفسه كان غير مألوف إلى حد كبير، فالعلبة تبدو كحصاة مصقولة من دون عروات بارزة، ويوجد التاج عند موضع الساعة 12 كما في بعض ساعات الجيب، بينما يمر الحزام أسفل العلبة عبر نظام تثبيت موجود في الغطاء الخلفي، ما يجعل جسم الساعة يبدو منفصلًا بصريًا عن الحزام. حافظت «Louis Vuitton» على هذه العناصر في النسخة الحديثة بدل إعادة رسم الساعة بصورة أكثر تقليدية.
عودة بدأت بالذهب قبل السيراميك
لم تنتظر «Louis Vuitton» حتى 2026 لإعادة الاسم، ففي 2025 قدمت «Monterey» جديدة بعلبة من الذهب الأصفر قطرها 39 ملم ووجه من مينا «Grand Feu»، في إصدار محدود من 188 قطعة، وكانت أقرب في روحها إلى إعادة تفسير «LV I». استخدمت تلك الساعة بالفعل الحركة الميكانيكية «LFT MA01.02»، لتبدأ عملية نقل التصميم التاريخي من عالم الكوارتز إلى صناعة الساعات الميكانيكية الحديثة.
أما نسختا 2026 فتعودان بوضوح أكبر إلى «LV II»، فقد أعادت الدار السيراميك الأسود والأخضر اللذين ارتبطا بالساعة الأصلية، وأبقت القطر عند 37 ملم، وحافظت على شكل العلبة والتاج العلوي والحزام المختفي أسفلها، لكنها لم تعد المنبه والتاريخ الموجودين في ساعة 1988، واختارت بدلًا من ذلك الاكتفاء بالساعات والدقائق والثواني.
وهنا تظهر مفارقة مثيرة في طريقة إعادة إحياء الساعات القديمة، فالإصدار الجديد أكثر تطورًا من الناحية الميكانيكية، لكنه أبسط في الوظائف، إذ تخلت «Louis Vuitton» عن تعقيدات عملية كانت موجودة في النسخة الأرخص تقنيًا قبل 38 عامًا، لمصلحة حركة ميكانيكية وتشطيب ومواد أكثر ارتباطًا بصناعة الساعات الفاخرة المعاصرة.
السيراميك لا يُصب في قالب تقليدي
تبدو العلبة للوهلة الأولى كأنها أبسط أجزاء الساعة، لكن طريقة تصنيعها تحمل جانبًا تقنيًا لافتًا. وبحسب التجربة التي نشرتها «Fratello»، لا تعتمد «Louis Vuitton» على تشكيل السيراميك مباشرة داخل قالب نهائي، بل تبدأ بمزيج من مسحوق السيراميك المعتمد على أكسيد الزركونيوم والأصباغ، يُضغط أولًا في كتلة صلبة، ثم تُقطع هذه الكتلة على ماكينة ثلاثية المحاور لتشكيل الانحناءات الخاصة بالعلبة.
بعد ذلك تدخل القطعة عملية تلبيد عند حرارة تقارب 1,000 درجة مئوية للحصول على الصلابة واللون النهائيين، ثم تخضع للطحن والتشطيب والصقل اليدوي. والنتيجة سطح شديد اللمعان في النسختين السوداء والخضراء، يحافظ على الشكل المستدير المتصل الذي يجعل الساعة تبدو أقرب إلى جسم واحد مصقول بدل مجموعة من الأجزاء المركبة بالطريقة التقليدية.
وتدرج «Louis Vuitton» السماكة الرسمية للعلبة عند 12.1 ملم من دون الزجاج، مع زجاج سافير مطلي ضد الانعكاس ومقاومة للماء تبلغ 30 مترًا فقط، وهي أرقام تؤكد أن الساعة لا تحاول تقديم نفسها بوصفها ساعة رياضية رغم استخدام السيراميك، وإنما قطعة تصميمية للاستخدام اليومي والحضور البصري.
الأخضر يحافظ على روح الثمانينيات والأسود يرفع التباين
تأتي النسخة الأولى بعلبة ووجه وحزام باللون الأخضر، مع عقارب للساعات والدقائق باللون الأصفر وعقرب ثوانٍ أزرق، فيما تستخدم النسخة الثانية علبة سوداء شديدة اللمعان مع وجه أبيض غير لامع وعقارب حمراء للساعات والدقائق وثوانٍ زرقاء، إضافة إلى خياطة حمراء على الحزام الأسود. وتحتفظ النسختان بمساري الدقائق الدائريين اللذين يمنحان وجه الساعة مظهرًا قريبًا من الأدوات والرسوم التقنية في الثمانينيات.
ولا تعتمد الألوان على طبقة واحدة بسيطة، بل يُبنى الوجه عبر عدة طبقات من الطلاء ثم يغطى بطبقة نهائية غير لامعة، وتوضع الأرقام والمسارات باستخدام الطباعة الأكريليكية. وتشير مراجعات متخصصة للعملية إلى أن كل مرحلة طباعة يعقبها تسخين منفصل، وإذا حدث تشقق أو انحراف في إحدى الطبقات فلا يمكن تصحيح الوجه ببساطة، بل تبدأ العملية من جديد.
هذه التفاصيل مهمة لأن «Monterey» الحديثة لا تعتمد على تعقيد ظاهر على الوجه كي تبرر موقعها داخل مجموعة الساعات الفاخرة، وإنما تستثمر في جودة المواد وطريقة تصنيع العلبة والوجه والحركة الداخلية، أي في أشياء قد تبدو بسيطة بصريًا لكنها تتطلب عمليات تصنيع وتشطيب طويلة نسبيًا.
حركة ميكانيكية بدل الكوارتز
التغيير الجوهري يوجد خلف الغطاء الفولاذي المغلق، حيث تعمل حركة «LFT MA01.02» الأوتوماتيكية التي طورتها «La Fabrique du Temps Louis Vuitton». يبلغ قطر الحركة 23 ملم وسماكتها 5.4 ملم، وتتكون من 174 جزءًا و26 حجرًا وظيفيًا، وتعمل بتردد 28,800 ذبذبة في الساعة، مع احتياطي طاقة يبلغ 45 ساعة.
وتستخدم الحركة دوار تعبئة من الذهب الوردي عيار 18 قيراطًا، يحمل زخارف وشعار «LV»، ورغم أن صاحب الساعة لن يراه بسبب الغطاء الخلفي المغلق، فإن الدار لم تترك الحركة بلا تشطيب، إذ تستخدم زخرفة دائرية على الصفيحة الرئيسية وجسورًا معالجة بالسفع وتشطيبات دقيقة على الحواف.
وهذه الحركة هي النقطة التي تفصل بصورة واضحة بين «Monterey» الجديدة والساعة التي ألهمتها، فالنسخة الأصلية كانت نتاج مرحلة في الثمانينيات أصبح فيها الكوارتز جزءًا طبيعيًا حتى من الساعات الفاخرة، أما العودة الحديثة فتأتي في سوق يعيد منح الحركة الميكانيكية قيمة أساسية، حتى عندما تكون الساعة أبسط وظيفيًا من سلفها.
لماذا حذفت «Louis Vuitton» المنبه والتاريخ؟
كان من الممكن نظريًا إعادة تطوير المنبه والتاريخ اللذين ميّزا «LV II» الأصلية، لكن «Louis Vuitton» اختارت وجهًا أكثر اختزالًا لا يعرض سوى الوقت، وهو قرار يجعل شكل «غاي أولنتي» نفسه هو العنصر الرئيسي بدل الوظائف. وتصف الدار النسخة الجديدة بأنها إعادة تفسير لرموز الساعة القديمة وليست إعادة إنتاج حرفية لها، وهو فارق يفسر لماذا احتفظ المصممون بالعلبة والألوان والتاج ومسارات الدقائق وتخلوا عن أجزاء من الوظائف الأصلية.
كما أن التحول من الكوارتز إلى الحركة الميكانيكية أدى إلى زيادة سماكة الساعة مقارنة بالأصل، وهي واحدة من الحالات التي تصبح فيها إعادة إنتاج القطعة القديمة حرفيًا أقل أهمية من إدخالها إلى اللغة التقنية التي تعتمدها العلامة حاليًا.
اسم بدأ، على الأرجح، من نطق خاطئ
حتى اسم «Monterey» يحمل قصة غير عادية. فالساعتان الأصليتان كانتا تعرفان باسم «Montre I» و«Montre II»، وكلمة «montre» تعني «ساعة» بالفرنسية، لكن الرواية المتداولة في المصادر المتخصصة تقول إن طريقة نطق الاسم لدى بعض المتحدثين بالإنجليزية تحولت بمرور الوقت إلى «Monterey»، قبل أن يستقر اللقب بين الجامعين ويصبح اليوم الاسم الرسمي الذي تستخدمه «Louis Vuitton» نفسها.
ولا تقدم الدار هذه الحكاية بوصفها سببًا تقنيًا لعودة الساعة، لكنها تلخص شيئًا من طبيعتها، فهي تصميم ظل لعقود في الهامش مقارنة بـ«Tambour»، ثم وجد طريقه إلى اهتمام الجامعين قبل أن تعيده الشركة رسميًا إلى المجموعة.
عودة دائمة وليست إصدارًا لإثارة الندرة
أهم ما يميز خطوة 2026 عن إعادة إصدار 2025 أن الساعتين الجديدتين ليستا محدودتين بعدد معين من القطع، بل أصبحت «Monterey» جزءًا من المجموعة الدائمة لـ«Louis Vuitton». وهذا قرار أكثر أهمية من إنتاج إصدار تذكاري صغير، لأنه يعني أن الدار لا تتعامل مع تصميم 1988 بوصفه قطعة أرشيفية للاحتفال بها ثم إعادتها إلى المخزن، وإنما بوصفه عائلة قادرة على الاستمرار إلى جانب خطوطها الحديثة.
ويبلغ السعر الرسمي في السوق الأميركية 22,900 دولار، بينما تختلف الأسعار المحلية باختلاف الضرائب والأسواق، مع طرح النسختين الأسود والأخضر بالسعر نفسه. وبالنظر إلى هذا المستوى السعري، تدخل «Monterey» منطقة تنافس فيها ساعات ميكانيكية من دور متخصصة ذات تاريخ أطول في الصناعة، ما يجعل التصميم والإرث وجودة التنفيذ عناصر حاسمة في إقناع المشتري، لا مجرد وجود شعار «Louis Vuitton» على الوجه.
ساعة من 1988 تبدو أكثر معاصرة اليوم
ربما يكون أكثر ما يفسر عودة «Monterey» أن الشكل الذي بدا غريبًا في 1988 أصبح متوافقًا بصورة أكبر مع سوق الساعات الحالية، فالأحجام الأصغر عادت، والسيراميك أصبح مادة مألوفة في الساعات الفاخرة، والعلب الخالية من العروات والتصميمات الهندسية غير التقليدية لم تعد أفكارًا هامشية كما كانت قبل أربعة عقود.
ولهذا لا تبدو «Louis Vuitton Monterey» الجديدة محاولة لصناعة حنين إلى الثمانينيات بقدر ما تبدو اكتشافًا متأخرًا لتصميم سبق زمنه. فقد احتفظت الدار بعلبة 37 ملم والسيراميك والتاج عند الساعة 12 والألوان الجريئة، لكنها استبدلت قلب الساعة بالكامل، وحولت قطعة كوارتز ذات منبه وتاريخ إلى ساعة ميكانيكية أبسط في الوظائف وأكثر طموحًا في المواد والتشطيب.
وبعد 38 عامًا، قد تكون المفارقة الأهم أن «Louis Vuitton» لم تحتج إلى إعادة تصميم «Monterey» كي تبدو حديثة، بل احتاجت فقط إلى إعادة النظر في التصميم الذي كانت تملكه بالفعل منذ 1988.

التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.