ترتبط ساعات التوربيون في المخيلة التقليدية لصناعة الساعات بالدقة والحرفية أكثر مما ترتبط بالصلابة، فداخل الحركة يدور نظام التنظيم كاملًا داخل قفص بالغ الخفة، وفي التوربيون الطائر تحديدًا يُثبت القفص من جانب واحد بدل دعمه بجسر علوي، ما يزيد من صعوبة الجمع بين النحافة والمتانة. لهذا لا تكمن القصة الأهم في ساعة «Rotondo UltraFino Diamond» الجديدة من «بيانشيه» في الألماس الذي يحيط بوجهها، بل في ادعاء هندسي أكثر جرأة، إذ تقول العلامة السويسرية إن حركتها الأوتوماتيكية ذات التوربيون الطائر تستطيع تحمل صدمات تصل إلى 5000G، رغم أن سماكة الحركة نفسها لا تتجاوز 3.85 ملم.

ظهرت الساعة في الولايات المتحدة خلال معرض «WatchTime New York 2026»، الذي اختتم يوم 18 أكتوبر في نيويورك، وتقدمها «بيانشيه» باعتبارها امتدادًا لعائلة «Rotondo UltraFino»، لكن مع إطار من الذهب الأبيض عيار 18 قيراطًا مرصع بـ40 ماسة طبيعية مستطيلة القطع يبلغ وزنها الإجمالي 1.6 قيراط، بدرجات لون بين «F» و«G» ونقاء «VVS». أما العلبة نفسها فمصنوعة من التيتانيوم من الدرجة الخامسة، بقطر 39.5 ملم وسماكة تقارب 9 ملم، مع مقاومة للماء حتى 100 متر.

لماذا يصعب جعل التوربيون مقاومًا للصدمات؟

المشكلة تبدأ من طبيعة التوربيون نفسه، فميزان الساعة وآلية الإفلات لا يبقيان ثابتين في مكانهما، بل يدوران داخل قفص يكمل دورة كل دقيقة، وفي النسخة الطائرة لا يوجد جسر علوي يدعم القفص من الجهة الأخرى. وكلما انخفض وزن الأجزاء وسماكتها، أصبحت المحافظة على الصلابة الهندسية والتحكم في التشوهات والاحتكاك أكثر حساسية، بينما تستطيع الصدمة المفاجئة التأثير في محور الميزان أو القفص أو أجزاء نظام التعبئة الأوتوماتيكية. وتصف «بيانشيه» التوربيون الطائر نفسها بأنه من أكثر البنى حساسية للصدمات في صناعة الساعات، وهو ما جعل مقاومة الصدمات محورًا أساسيًا في تطوير حركاتها.

ويتضاعف التحدي في ساعة أوتوماتيكية فائقة النحافة، لأن الحركة لا تحتوي فقط على التوربيون، بل على دوار يتحرك مع المعصم لتعبئة النابض الرئيسي، وهذه الكتلة المتحركة تولد بدورها قوى إضافية عند تعرض الساعة للصدمة. وتقول «بيانشيه» إن الوصول إلى بنية بهذه النحافة تطلب إعادة توزيع مكونات الحركة بدل مجرد تصغيرها، بما في ذلك نظام برميل طاقة معلق، وإعادة تصميم آلية الإفلات، وتطوير نظام خاص للتعبئة وضبط الوقت وحماية العناصر الأكثر حساسية.

حركة بسمك 3.85 ملم و225 جزءًا

داخل «Rotondo UltraFino Diamond» تعمل حركة «UR01» الأوتوماتيكية، التي تصفها «بيانشيه» بأنها حركة طورتها داخليًا من الصفر. يبلغ سمكها 3.85 ملم فقط، وتتكون من 225 جزءًا و29 حجرًا وظيفيًا، ويعمل ميزانها بتردد 3 هرتز، أي 21600 ذبذبة في الساعة، بينما يوفر النابض الرئيسي احتياطي طاقة يبلغ نحو 60 ساعة.

استخدمت العلامة التيتانيوم من الدرجة الخامسة في الصفيحة الرئيسية والجسور وحتى قفص التوربيون، وهي محاولة واضحة لتقليل كتلة الأجزاء المتحركة مع الحفاظ على الصلابة، فيما صُنع الدوار المركزي من الذهب الوردي عيار 18 قيراطًا. وتعتمد الحركة على برميل نابض معلق ونظام تعبئة أحادي الاتجاه، كما أعادت «بيانشيه» ترتيب مجموعة التروس جانبيًا لتقليل عدد الطبقات الرأسية، وهي واحدة من الطرق التي أتاحت إبقاء الحركة تحت حاجز الأربعة مليمترات.

ولا تتعامل العلامة مع النحافة باعتبارها هدفًا منفصلًا عن التشطيب، إذ تقول إن تشطيب الحواف يدويًا يستغرق أكثر من 30 ساعة لكل حركة، في محاولة للجمع بين هندسة ساعة يُفترض أنها قابلة للاستخدام اليومي وبين المعايير الجمالية المرتبطة بالساعات الراقية.

ماذا يعني تحمل 5000G فعلًا؟

تقول «بيانشيه» إن بنية الحركة والساعة مصممة لتحمل صدمات تصل إلى 5000G، وهو الرقم الذي أعادت «WatchTime» نشره عند تقديم الساعة في نيويورك. و«G» هنا لا تعني أن الساعة تستطيع تحمل وزن يعادل 5000 ضعف وزنها بصورة مستمرة، بل تشير إلى مقدار التسارع اللحظي الذي قد تتعرض له أثناء صدمة قصيرة، قياسًا إلى تسارع الجاذبية الأرضية.

وهنا يلزم التفريق بين المعلومة المعلنة والتحقق المستقل. فقد وجدت «ووتش أوت» الرقم نفسه في المواصفات الرسمية لـ«بيانشيه» وفي تغطية «WatchTime»، كما تقول العلامة إنها اختبرت ساعات من عائلة «UltraFino» أثناء استخدامها من لاعبي تنس محترفين وفي ظروف رياضية فعلية، لكنها لم تنشر في المصادر التي راجعناها تقريرًا من مختبر مستقل يوضح بروتوكول اختبار 5000G لهذه الساعة تحديدًا أو عدد الصدمات واتجاهاتها ومدتها ومعايير النجاح بعد الاختبار. لذلك يبقى الرقم مواصفة هندسية تعلنها الشركة، وليس نتيجة اختبار مستقل يمكن لـ«ووتش أوت» تأكيدها بصورة منفصلة.

وهذا لا يقلل من أهمية السؤال الهندسي نفسه، فاللافت أن العلامة لا تحاول فقط حماية توربيون داخل علبة ضخمة، وإنما تفعل ذلك في ساعة سماكتها نحو 9 ملم، وحركة لا يتجاوز سمكها 3.85 ملم، مع مقاومة للماء حتى 100 متر. وبالتالي تصبح القصة اختبارًا لفكرة أوسع بدأت تظهر في صناعة الساعات الراقية، وهي أن التعقيدات التي كانت تُعامل تاريخيًا باعتبارها قطعًا حساسة للمناسبات يمكن أن تتحول إلى ساعات مصممة للاستخدام اليومي.

الألماس ليس مجرد إضافة منفصلة

رغم أن الجانب الميكانيكي هو الأكثر إثارة، فإن نسخة «Diamond» تضيف مفارقة أخرى، فهي تضع المواصفات الرياضية داخل تصميم يعتمد أيضًا على المجوهرات الراقية. يتكون الإطار من الذهب الأبيض عيار 18 قيراطًا، وتحيط به 40 ماسة «Baguette»، بينما بقيت العلبة والسوار المتكامل من التيتانيوم الخفيف، وتوفر العلامة أيضًا حزامًا أبيض من المطاط يمكن تبديله بنظام سريع.

وتبقي البنية المفتوحة للحركة التوربيون وبقية المكونات ظاهرة من جهة وجه الساعة، بدل إخفائها خلف طبقة زخرفية، لتبدو الأحجار هنا كإطار لحركة ميكانيكية هي نفسها العنصر البصري المركزي. ويبلغ السعر المعلن 92500 فرنك سويسري قبل الضرائب، وهو السعر المدرج حاليًا على الموقع الرسمي للعلامة.

«بيانشيه» تراهن على فكرة التوربيون القابل للارتداء

تأسست «بيانشيه» عام 2017 على يد «رودولفو فيستا بيانشيه» و«إيمانويل فيستا بيانشيه»، وقد بنت جزءًا كبيرًا من هويتها حول التوربيون بدل توزيعه كتعقيد واحد ضمن مجموعات واسعة، حتى إن العلامة تركز معظم تطويرها على جعله أخف وأنحف وأكثر قابلية للاستخدام اليومي. وظهر أول نموذج أولي لها في «بازلوورلد» عام 2019، قبل إطلاق أول ساعاتها التجارية ذات التوربيون في 2021.

ولهذا تبدو «Rotondo UltraFino Diamond» أقل إثارة إذا اختُزلت في كونها ساعة ألماس جديدة، وأكثر أهمية إذا قُرئت باعتبارها محاولة للإجابة عن سؤال ظل حاضرًا في صناعة الساعات الراقية، هل يمكن أن يبقى التوربيون قطعة ميكانيكية شديدة التعقيد والدقة، وفي الوقت نفسه يصبح رفيقًا للاستخدام اليومي لا يحتاج صاحبه إلى التعامل معه بوصفه جسمًا هشًا؟

حتى الآن، تقدم «بيانشيه» أرقامًا وتصميمًا هندسيًا واضحًا لدعم هذا الاتجاه، لكنها تترك أيضًا سؤالًا مهمًا مفتوحًا أمام الاختبارات المستقلة، وهو ما إذا كانت حركة بسماكة 3.85 ملم وتوربيون طائر تستطيع بالفعل الاحتفاظ بدقتها ووظائفها بعد التعرض لمستويات الصدمة التي تعلنها الشركة. وهنا تحديدًا توجد قيمة الساعة صحفيًا، فالمنافسة لم تعد فقط على من يصنع التوربيون الأرق أو الأغلى، بل على من يستطيع إخراجه من صندوق العرض ووضعه على المعصم دون الخوف عليه.