بعد أكثر من أربعة عقود على صنعهما، تستعد اثنتان من أشهر ساعات الجيب في تاريخ صناعة الساعات المستقلة للظهور معًا للمرة الأولى، إذ يجمع معرض جديد في سنغافورة ساعتي «Space Traveller I» و«Space Traveller II» اللتين صنعهما البريطاني «جورج دانيالز»، ضمن مجموعة تضم 22 ساعة من أعماله النادرة، احتفالًا بمرور 100 عام على ميلاد أحد أكثر صناع الساعات تأثيرًا في القرن العشرين.
يحمل المعرض اسم «George Daniels 100: The Genesis of Artisanal Watchmaking»، وتنظمه «Phillips in Association with Bacs & Russo» بالتعاون مع «The Hour Glass»، ويقام ضمن فعاليات «IAMWATCH 2026» في سنغافورة خلال الفترة من 12 إلى 15 نوفمبر. ويخصص يوم 12 نوفمبر للعرض بدعوات خاصة، قبل فتح الأبواب أمام الجمهور من 13 إلى 15 نوفمبر، ثم تنتقل المجموعة إلى مقر «Phillips» في لندن مطلع 2027.
وتكمن أهمية الرقم 22 في طبيعة إنتاج «دانيالز» نفسه، فالموقع الرسمي المخصص لإرثه يقول إنه أكمل خلال مسيرته 27 ساعة فريدة، من دون احتساب النماذج الأولية، إلى جانب سلسلة «Millennium» التي جاءت في مرحلة لاحقة. وبذلك لا يجمع المعرض مجرد مختارات متفرقة من أعماله، بل يعيد إلى مكان واحد نسبة كبيرة بصورة استثنائية من الساعات التي صنعت اسمه وحددت مسار تجربته في صناعة الساعات المستقلة.
ساعتان بدأتا بقصة ندم
تتصدر «Space Traveller I» و«Space Traveller II» المعرض، وقصتهما لا تبدأ بالتقنية وحدها، بل بقرار ندم عليه «دانيالز». فقد بدأ العمل على مشروع «Space Traveller» في نهاية السبعينيات، وأكمل الساعة الأولى في 1982 قبل بيعها إلى أحد الجامعين، لكنه شعر لاحقًا بأنه لم يكن يريد التخلي عنها، فبدل محاولة استعادتها قرر صنع ساعة ثانية تستند إلى الفكرة نفسها وتذهب بها إلى مستوى أكثر تعقيدًا.
احتفظ «دانيالز» بالساعة الثانية «Space Traveller II» في مجموعته الشخصية واستخدمها حتى وفاته عام 2011، بينما سلكت الساعة الأولى مسارًا مختلفًا بين المجموعات الخاصة والمزادات. ولهذا فإن جمع القطعتين الآن لا يقدم فقط نسختين من تصميم واحد، بل يعيد توحيد مسارين انفصلا منذ السنوات الأولى للمشروع. وتؤكد التغطية التي أعلنت المعرض أن ظهورهما في سنغافورة سيكون المرة الأولى التي تعرضان فيها معًا.
لماذا صنع «دانيالز» ساعة للمسافر إلى الفضاء؟
اسم «Space Traveller» لم يكن اختيارًا تسويقيًا، فقد أراد «دانيالز» صنع ساعة يمكن أن تكون مفيدة نظريًا لمَن يسافر بعيدًا عن الأرض، وكان مفتونًا بعصر الرحلات الفضائية ورواد الفضاء. ولهذا صمم نظامًا يسمح بعرض الوقت الشمسي المتوسط والوقت النجمي في الوقت نفسه، وهما نظامان مختلفان لقياس الزمن.
الوقت الذي تستخدمه الساعات في الحياة اليومية يستند إلى اليوم الشمسي المتوسط ومدته 24 ساعة تقريبًا، بينما يعتمد الوقت النجمي على دوران الأرض بالنسبة إلى النجوم البعيدة، ويكون اليوم النجمي أقصر بنحو 3 دقائق و56 ثانية. وهذه الفجوة الصغيرة تتراكم يومًا بعد آخر، ولذلك احتاج «دانيالز» إلى تصميم قطارين مستقلين للتروس يستطيعان تتبع النظامين بالتزامن داخل ساعة ميكانيكية واحدة.
وتستخدم الساعتان نظام «Daniels Independent Double-Wheel Escapement»، مع مصدرَي طاقة وقطارين منفصلين للحركة يرتبطان بمنظم ميكانيكي واحد، إضافة إلى عرض أطوار القمر وعمره والتقويم السنوي ومعادلة الزمن. أما «Space Traveller II» فذهبت إلى أبعد من ذلك بإضافة كرونوغراف يستطيع العمل مع الوقت الشمسي أو النجمي، وهي إحدى الإضافات التي تميزها عن الساعة الأولى.
ساعتان بقيمة ملايين الدولارات
لم تعد قيمة الساعتين تاريخية وتقنية فقط، فقد أصبحتا أيضًا من أغلى أعمال صناعة الساعات المستقلة في سوق المزادات. ففي يوليو 2019 باعت «Sotheby’s» ساعة «Space Traveller I» في لندن مقابل 3.615 مليون جنيه إسترليني، أي نحو 4.6 مليون دولار آنذاك، بعد تقدير سابق تراوح بين 700 ألف ومليون جنيه، لتسجل في ذلك الوقت رقمًا قياسيًا لساعة إنجليزية ولساعة من صانع مستقل في مزادات الدار.
أما «Space Traveller II»، التي بقيت مع «دانيالز» حتى وفاته، فبيعت في «Sotheby’s» عام 2012، ثم ظهرت مجددًا في مزاد عام 2017 وحققت 3.196 مليون جنيه إسترليني شامل الرسوم. ولم تكن القيمة المالية وحدها سبب الاهتمام، فالساعة تحمل كذلك العلاقة الشخصية الأوضح مع صانعها، لأنه احتفظ بها واستخدمها بنفسه لعقود.
وعندما بيعت «Space Traveller I» مجددًا في 2019 كانت قد بقيت في المجموعة الخاصة نفسها منذ ظهورها السابق في مزاد عام 1988، أي نحو 31 عامًا، وهو ما أضاف إلى قيمتها ندرة الظهور العلني وسلسلة ملكية يمكن تتبعها بوضوح.
صانع حاول إعادة بناء الساعة بيديه
لفهم أهمية اجتماع 22 ساعة من أعمال «دانيالز»، لا يكفي النظر إلى أسعارها أو تعقيداتها. فقد اتخذ الرجل موقفًا مختلفًا جذريًا عن النموذج الصناعي الذي كانت تتجه إليه صناعة الساعات في النصف الثاني من القرن العشرين، إذ كان واحدًا من القلائل في العصر الحديث الذين استطاعوا صناعة الساعة كاملة تقريبًا بأنفسهم، من الحركة والعلبة إلى وجه الساعة، بعدما أتقن 32 من المهارات والتخصصات اللازمة لإنجازها يدويًا.
ولد «جورج دانيالز» في 19 أغسطس 1926، وبدأ حياته المهنية بإصلاح الساعات وترميم القطع التاريخية، قبل أن ينتقل إلى صناعة ساعاته الخاصة. ومع تصاعد أزمة الكوارتز في السبعينيات لم يكتف بالدفاع عن الساعة الميكانيكية بوصفها حرفة تقليدية، بل حاول إعادة تصميم أحد أكثر أجزائها أهمية، وهو نظام الإفلات المسؤول عن نقل الطاقة إلى منظم الوقت.
وكانت النتيجة الأشهر هي نظام «Co-Axial Escapement»، الذي عمل على تقليل الاحتكاك الانزلاقي مقارنة بنظام الرافعة السويسرية التقليدي، وبعد سنوات طويلة من محاولات إقناع الشركات الكبرى بالتقنية حصلت «Omega» على حقوق استخدامه وأدخلته إلى الإنتاج الصناعي ابتداءً من 1999، ليصبح الابتكار الذي طوره صانع مستقل في ورشته جزءًا من ملايين الساعات المنتجة لاحقًا.
من «دانيالز» إلى جيل كامل من المستقلين
لهذا يحمل اسم المعرض «The Genesis of Artisanal Watchmaking» معنى يتجاوز الاحتفال بمئوية الميلاد، فالمنظمون يقدمون «دانيالز» بوصفه أحد الأشخاص الذين أعادوا إثبات إمكانية وجود صانع مستقل يعمل خارج المجموعات الصناعية الكبرى ويطور لغة ميكانيكية خاصة به، في وقت كانت فيه صناعة الساعات تتجه إلى الإنتاج الأكبر والتوحيد الصناعي.
وامتد تأثيره بصورة مباشرة عبر «روجر دبليو سميث»، تلميذه الوحيد، الذي يواصل صناعة الساعات في جزيرة مان وفق فلسفة قريبة من منهجه. كما أصبح «دانيالز» مرجعًا لأجيال لاحقة من صناع الساعات المستقلين الذين بنوا شركات وأسماء عالمية حول شخصية الصانع نفسه، بدل العمل داخل علامات صناعية ضخمة.
ولهذا يتضمن برنامج «IAMWATCH 2026» أكثر من مجرد عرض الساعات، إذ يشارك «روجر سميث» في محاضرتين؛ الأولى عن حياة «جورج دانيالز» وأسلوب عمله، والثانية تتتبع رحلة نظام «Co-Axial» من فكرة ميكانيكية إلى تقنية قابلة للإنتاج الصناعي. كما يجتمع «سميث» مع «أوريل باكس» من «Phillips» و«سو جيا شيان» مؤسس «SJX Watches» في جلسة تناقش ما إذا كان «دانيالز» يمثل نهاية عصر الصانع الفرد أم بداية الحركة الحديثة لصناعة الساعات المستقلة.
فيلم جديد يوثق تأثير «جورج دانيالز»
ويشهد المعرض في 14 نوفمبر العرض الأول لفيلم وثائقي جديد أنتجته «Phillips in Association with Bacs & Russo» عن تأثير «دانيالز» في صناعة الساعات المستقلة المعاصرة، وصُورت مادته في إنجلترا وسويسرا وجزيرة مان، مع استخدام مواد أرشيفية من «George Daniels Educational Trust».
ولا يأتي الفيلم منفصلًا عن فكرة المعرض، لأن الاحتفال بالمئوية لا يحاول فقط إعادة عرض ساعات تحولت إلى مقتنيات بملايين الدولارات، بل إعادة تفسير المرحلة التي سبقت ظهور السوق الحالية للساعات المستقلة، عندما كان صنع ساعة كاملة خارج المصانع الكبيرة أقرب إلى مشروع فردي شديد الصعوبة منه إلى قطاع تجاري قائم كما هو اليوم.
22 ساعة تعيد قراءة بداية صناعة الساعات المستقلة الحديثة
قد تكون «Space Traveller I» و«Space Traveller II» أكثر القطع جذبًا للانتباه، لكن أهمية «George Daniels 100» الحقيقية تأتي من جمع 22 ساعة في مكان واحد، وهو رقم استثنائي بالنظر إلى أن «دانيالز» نفسه أكمل 27 ساعة فريدة فقط خلال مسيرته، وفق الأرشيف الرسمي لإرثه، دون احتساب النماذج الأولية وسلسلة «Millennium».
وبدل النظر إلى هذه الساعات بوصفها قطعًا نادرة ارتفعت أسعارها مع مرور السنوات، يقدم المعرض فرصة لرؤية تطور أفكار صانع واحد عبر مسيرته، من محاولاته الأولى لإعادة التفكير في نظام الإفلات إلى ساعات جمعت الحسابات الفلكية والتقويمات والكرونوغرافات داخل أعمال صنع جانبًا كبيرًا منها بيديه.
ولهذا فإن اجتماع «Space Traveller I» و«II» بعد أكثر من 40 عامًا ليس مجرد لحظة جذابة لهواة المزادات، بل نقطة يمكن من خلالها قراءة قصة أكبر، فالكثير مما نعرفه اليوم باسم صناعة الساعات المستقلة، حيث يصبح اسم الصانع وفكرته وطريقته في العمل جزءًا من قيمة الساعة نفسها، كان «جورج دانيالز» يفعله قبل أن يتحول ذلك إلى قطاع عالمي كامل.

Comments
No comments yet.