تواجه «هوبلو» لحظة حساسة في مسيرتها، بعدما أشارت تقديرات حديثة إلى تراجع مبيعاتها العالمية من نحو 744 مليون فرنك سويسري في 2022 إلى نحو 460 مليونًا في 2025، بانخفاض يقارب 38% خلال 3 سنوات، بالتزامن مع انخفاض الإنتاج السنوي من نحو 54,000 إلى 32,000 ساعة. وفي توقيت كهذا، استعانت العلامة السويسرية التابعة لمجموعة «LVMH» بواحد من أكثر التنفيذيين تأثيرًا في صناعة الساعات خلال العقد الماضي، «فرانسوا هنري بينامياس»، الرئيس التنفيذي السابق لـ«أوديمار بيغيه»، للعمل معها مستشارًا استراتيجيًا.
لكن الأرقام تحتاج إلى قراءة دقيقة قبل القفز إلى الاستنتاجات، فـ«هوبلو» شركة غير مدرجة بصورة منفصلة في البورصة ولا تنشر بيانات مبيعات تفصيلية خاصة بها، ولذلك تعتمد الأرقام المتداولة على تقديرات «Morgan Stanley» و«LuxeConsult»، وهي المصادر نفسها التي يستخدمها قطاع الساعات سنويًا لتقدير أحجام العلامات السويسرية ومبيعاتها. ووفق هذه التقديرات، حافظت «هوبلو» على متوسط سعر تجزئة يقترب من 20,000 فرنك سويسري، لكنها خفضت حجم إنتاجها بنحو 22,000 ساعة خلال 3 سنوات، في مؤشر على أن المشكلة لا تتعلق بالسعر وحده، بل بحجم الطلب وقدرة السوق على استيعاب الإنتاج الحالي.
لماذا استعانت «هوبلو» بـ«فرانسوا هنري بينامياس»؟
ظهرت أولى التقارير عن الخطوة في 15 أكتوبر، عندما كشفت «Hodinkee» أن «بينامياس» بدأ العمل مستشارًا لدى «هوبلو»، مع بقاء «جوليان تورنار» في منصبه رئيسًا تنفيذيًا للعلامة. وفي اليوم التالي نقلت «WATCHPRO» عن مذكرة داخلية أن «LVMH» استعانت به لمنح «هوبلو» خبرته ورؤيته الاستراتيجية، ما يعني أن دوره استشاري وليس بديلًا عن الإدارة الحالية.
وتكمن أهمية الاسم في سجل «بينامياس» نفسه، فقد قاد «أوديمار بيغيه» لأكثر من عقد، وتمكنت الشركة خلال تلك الفترة من رفع مبيعاتها التقديرية من نحو 670 مليون فرنك سويسري في 2012 إلى أكثر من 2.3 مليار فرنك في 2023، بالتزامن مع إعادة تنظيم شبكة البيع وتوسيع مفهوم المتاجر المملوكة للعلامة و«AP House»، وتعزيز مركز «Royal Oak» بوصفها المنتج الأهم في هوية الشركة.
وهذا التاريخ هو ما يدفع كثيرين داخل الصناعة إلى ربط وصوله إلى «هوبلو» بمفهوم الندرة وإدارة المعروض، لكن يجب الفصل بين الحقيقة والتحليل هنا. فمقال «WATCHPRO» المنشور في 19 أكتوبر، الذي دعا «هوبلو» إلى الاستفادة من خبرة «بينامياس» في إدارة الندرة، هو مقال رأي تحليلي للكاتب روب كوردر، وليس إعلانًا عن خطة رسمية من «هوبلو». ولم تعلن العلامة حتى الآن أنها ستخفض الإنتاج وفق نسبة محددة، أو ستوقف مجموعات بعينها، أو ستعتمد قوائم انتظار مصطنعة لرفع الطلب.
32,000 ساعة سنويًا.. هل ما زال العدد كبيرًا؟
قد يبدو إنتاج 32,000 ساعة سنويًا رقمًا محدودًا مقارنة بالعلامات السويسرية الكبرى التي تنتج مئات آلاف القطع، لكنه يصبح أكثر حساسية عندما يقترن بمتوسط سعر مرتفع وسوق ثانوية لا تدعم السعر الرسمي بالقوة نفسها.
وتشير بيانات «WatchCharts» الحالية إلى فروق واضحة بين أسعار التجزئة وأسعار السوق لعدد من أشهر طرازات «هوبلو». فعلى سبيل المثال، تبلغ قيمة «Big Bang» المرجعية «301.SB.131.RX» في السوق الثانوية نحو 5,600 دولار، مقابل سعر تجزئة يبلغ 14,000 دولار، بينما تقدر قيمة «Big Bang Unico Titanium Ceramic» المرجعية «421.NM.1170.RX» بنحو 11,900 دولار مقابل سعر تجزئة يقارب 20,900 دولار. ولا تعني هذه الأمثلة أن جميع ساعات «هوبلو» تخسر النسبة نفسها، لكنها تكشف التحدي الذي تواجهه العلامة عندما يرى المشتري فجوة كبيرة بين سعر الشراء الجديد وقيمة القطعة بعد انتقالها إلى السوق الثانوية.
وفي المقابل، لا تتحرك جميع مجموعات العلامة في الاتجاه نفسه. فبحسب تحليل «WATCHPRO» لبيانات «WatchCharts»، ارتفعت أسعار مجموعة «Classic Fusion» في السوق الثانوية بنحو 9% خلال عام، بينما بلغ التحسن الإجمالي لعلامة «هوبلو» عبر المجموعات المختلفة نحو 2.6%، إلا أن الأسعار تراجعت 0.8% خلال الربع الثالث من 2026، في وقت سجلت فيه غالبية العلامات التي يتابعها المؤشر أداءً أفضل.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي، فالمشكلة ليست أن «هوبلو» لا تبيع ساعات، ولا أن سوقها الثانوية تنهار بالكامل، وإنما أن العلاقة بين الإنتاج والسعر والطلب لم تعد بالقوة التي كانت عليها خلال طفرة الساعات الفاخرة في 2021 و2022.
السوق تغير بعد طفرة 2022
تراجعت صناعة الساعات الفاخرة عن مستويات الطلب الاستثنائية التي شهدتها بعد جائحة كورونا، عندما دفعت السيولة المرتفعة ونقص المعروض وازدهار التجارة الإلكترونية أسعار كثير من الساعات الجديدة والمستعملة إلى مستويات تاريخية، ثم بدأت السوق في التصحيح خلال السنوات التالية.
لكن «هوبلو» واجهت أيضًا تغيرًا في الذوق نفسه. فقد ارتبطت العلامة لسنوات بعلب كبيرة وحضور بصري قوي ومزج المواد الحديثة، وهي الخصائص التي لعبت دورًا أساسيًا في نجاح «Big Bang» منذ إطلاقها عام 2005، بينما تحولت اتجاهات جزء من سوق الساعات خلال السنوات الأخيرة نحو أحجام أصغر وتصميمات أكثر هدوءًا وعودة قوية إلى النماذج الكلاسيكية والتاريخية.
وهذا التحول يبدو أن «هوبلو» نفسها تدركه، فقد أعادت خلال 2026 تطوير مجموعتها الأهم من الداخل، وأعلنت أن حركة «Unico» أصبحت تستخدم عبر مجموعة «Big Bang» بالكامل، مع تقديم «Big Bang Reloaded» بهندسة وحركة محسنتين، في محاولة لتعزيز الجانب التصنيعي للمنتج بدل الاعتماد على التصميم والمواد وحدهما.
وفي 15 أكتوبر اتخذت العلامة خطوة أكثر دلالة عندما كشفت «Classic Fusion Tributo»، التي تعود مباشرة إلى أول تصميم قدمه مؤسسها «كارلو كروكو» عام 1980، بعلبة ذهبية وحزام مطاطي أسود وتصميم أكثر هدوءًا من «Big Bang». وربط الرئيس التنفيذي «جوليان تورنار» الإصدار بفكرة احترام جذور العلامة من دون تجميدها في الماضي، بينما وصفه «كروكو» نفسه بأنه عودة إلى التصميم الذي بدأت منه قصة «هوبلو».
ويمكن قراءة هذا الاتجاه باعتباره محاولة لإعادة التوازن بين جانبي هوية «هوبلو»، فهناك «Big Bang» التي بنت حضور العلامة الحديث على الجرأة والحجم والمزج بين المواد، وفي الجانب الآخر «Classic Fusion» التي تستند إلى تصميم أبسط وأقرب إلى الساعة الأصلية التي بدأت بها الشركة قبل 46 عامًا.
هل الندرة هي الحل؟
يرى تحليل «WATCHPRO» أن أحد الدروس التي قد يحملها «بينامياس» إلى «هوبلو» هو تقليل عدد الإصدارات والتركيز على مجموعة أصغر من المنتجات القوية، بدل استمرار إطلاق عدد كبير من المراجع والإصدارات المحدودة التي قد تجعل المشتري ينتظر دائمًا القطعة التالية. ويقترح الكاتب أن تحتاج العلامة إلى منتج رئيسي يتجاوز الطلب عليه المعروض بصورة مستمرة، بدل محاولة صناعة الندرة من خلال إصدارات محدودة متعددة.
هذه الفكرة تبدو منطقية نظريًا، لكنها ليست خالية من المخاطر، فبناء الندرة الحقيقية لا يتحقق بمجرد تقليل الإنتاج. إذا انخفض المعروض من دون وجود طلب كافٍ، فلن ترتفع الأسعار تلقائيًا، وإذا شعر العملاء بأن الندرة مصطنعة قد تكون النتيجة عكسية. ولهذا فإن العامل الحاسم ليس عدد الساعات التي تصنعها «هوبلو»، بل قدرة مجموعة محددة منها على أن تصبح مرغوبة بدرجة تجعل عدد الراغبين فيها أكبر من عدد القطع المتاحة.
وهنا تختلف تجربة «هوبلو» عن «أوديمار بيغيه». فقد امتلكت الأخيرة «Royal Oak»، وهي ساعة لها تاريخ يعود إلى 1972 وتصميم من «جيرالد جينتا» ومكانة قوية لدى الجامعين، ثم بنت حولها استراتيجية توزيع وندرة عززت الطلب. أما «هوبلو» فتحتاج أولًا إلى تحديد المنتج الذي يمكنه أداء هذا الدور في المرحلة المقبلة، وهل سيكون «Big Bang» بعد إعادة تطويرها، أم «Classic Fusion» مع العودة إلى جذور 1980، أم مجموعة جديدة بالكامل.
خبرة «بينامياس» لا تعني نسخ تجربة «أوديمار بيغيه»
من السهل تفسير استعانة «هوبلو» بـ«بينامياس» بوصفها محاولة لنسخ تجربة «أوديمار بيغيه»، لكن السوق الحالية مختلفة كثيرًا عن السوق التي استفادت منها «Royal Oak» قبل عدة سنوات. فمؤشر «WatchCharts» العام للساعات المستعملة ارتفع خلال 2026 بعد سنوات من التصحيح، إلا أن المشترين أصبحوا أكثر انتقائية، والفجوة بين العلامات والمجموعات الناجحة والضعيفة أصبحت أكثر وضوحًا.
كما أن «بينامياس» نفسه لا يعود إلى الصناعة من موقع الموظف المتفرغ لعلامة واحدة، فقد أسس بعد مغادرته «أوديمار بيغيه» مجموعة «The Honourable Merchants Group»، وكشف في يوليو 2026 عن علامة ساعات جديدة باسم «N3W5» تستعد للظهور في 2027، ما يجعل عمله مع «هوبلو» استشاريًا ضمن نشاط أوسع، وليس عودة إلى منصب تنفيذي مشابه للدور الذي لعبه سابقًا.
«هوبلو» أمام اختبار اختيار ما يجب أن يبقى
إذا صحت تقديرات «Morgan Stanley» و«LuxeConsult»، فإن تراجع المبيعات من 744 إلى 460 مليون فرنك خلال 3 سنوات يعني أن «هوبلو» فقدت نحو 284 مليون فرنك من حجم أعمالها السنوي مقارنة بذروة 2022، لكن العلامة لم تقف مكتوفة أمام ذلك، فقد خفضت الإنتاج بصورة كبيرة، وطورت «Big Bang» بحركة «Unico»، وأعادت إحياء التصميم الأصلي في «Classic Fusion Tributo»، ومددت ضمان ساعاتها المؤهلة في 2026 إلى 5 سنوات مع إمكانية رفعه إلى 10 سنوات عبر برنامج «Hublotista».
ولهذا قد يكون السؤال الأدق في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت «هوبلو» تحتاج إلى صناعة ساعات أقل فحسب، بل أي ساعات يجب أن تستمر في صناعتها، وأيها تستطيع أن تجعل العميل ينتظرها بدل أن يجدها بعد أشهر بسعر أقل في السوق الثانوية.
وصول «فرانسوا هنري بينامياس» لا يقدم الإجابة حتى الآن، لكنه يأتي في لحظة تجعل السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فإذا نجحت «هوبلو» في تقليص تشكيلتها، وتركيز هويتها، وخلق طلب مستدام على منتجاتها الأساسية، فقد تتحول السنوات التي شهدت التراجع إلى بداية إعادة بناء، أما إذا اقتصر الأمر على تقليل المعروض من دون إعادة بناء الرغبة نفسها، فلن تكون الندرة وحدها كافية.

Comments
No comments yet.