احتفلت العلامة الألمانية «ستيرنغلاس» بمرور عشر سنوات على تأسيسها بطريقة أقرب إلى الطريقة التي بنت بها جمهورها منذ البداية؛ لم تُغلق باب التصميم على فريقها وحده، بل أدخلت نحو 5000 عضو من مجتمعها في عملية تطوير ساعة الذكرى الجديدة «Zirkel X»، مستفيدة من آرائهم قبل الوصول إلى التصميم النهائي. ووفق «فراتيلو»، لم يكن هؤلاء مجرد جمهور تلقى المنتج بعد اكتماله، بل شاركوا بآرائهم خلال مراحل التطوير، فيما تصفهم العلامة بـ«الدائرة الداخلية» للمجتمع المحيط بها.
القصة هنا تتجاوز إصدارًا جديدًا للاحتفال بذكرى تأسيس علامة ساعات. السؤال الأكثر إثارة هو ما إذا كان مجتمع العملاء نفسه يمكن أن يصبح جزءًا من عملية تطوير المنتج، وأين تنتهي مساهمته ويبدأ قرار المصمم. ففي صناعة تقوم تقليديًا على أسماء المصممين وصناع الساعات ورؤية الدار، تقدم «ستيرنغلاس» نموذجًا أكثر انفتاحًا يجعل رأي الجمهور عنصرًا مبكرًا في العملية بدل أن يظهر فقط بعد وصول الساعة إلى السوق.
5000 شخص لم يجلسوا خلف طاولة التصميم
وصف المشروع بأنه «ساعة صممها 5000 شخص» سيكون مبالغة. لم يحمل آلاف المشاركين أقلامًا لرسم الساعة، ولم تتحول عملية التصميم إلى تصويت شعبي على كل تفصيل، لكن «فراتيلو» تؤكد أن آراء نحو 5000 عضو نشط في مجتمع «ستيرنغلاس» دخلت في تطوير «Zirkel X»، وأن العلامة أخذت تفضيلاتهم وملاحظاتهم في الاعتبار عند صياغة المنتج النهائي.
هذا الفارق مهم؛ لأن التصميم التشاركي لا يعني بالضرورة تسليم القرار للجمهور، بل استخدامه مصدرًا للمعلومات قبل اتخاذ القرار. المصمم يظل مسؤولًا عن النتيجة، لكن بدل أن يخمن ما يفضله العملاء، يستطيع اختبار بعض الخيارات مع مجتمع يعرف العلامة أصلًا ويملك تجربة سابقة مع منتجاتها.
وليست هذه أول مرة تستخدم «ستيرنغلاس» الأسلوب نفسه. ففي إصدار «Zirkel Edition Bauhaus» قبل عدة سنوات، استعانت العلامة بنحو 1500 شخص من جمهورها، وقدمت لهم خمسة تصاميم مختلفة للحصول على ردود فعلهم قبل تطوير النسخة النهائية. ارتفاع العدد من 1500 إلى 5000 في المشروع الجديد يكشف أن المشاركة المجتمعية لم تعد تجربة جانبية لدى الشركة، بل أصبحت جزءًا من طريقة عملها.
علامة بدأت أصلًا من جمهور الإنترنت
هناك سبب يجعل هذا الأسلوب طبيعيًا لدى «ستيرنغلاس» أكثر من كثير من الدور التقليدية. العلامة لم تبدأ ببوتيك فاخر أو شبكة تجار عمرها عقود، بل ظهرت في هامبورغ عام 2016 عندما أطلق مؤسسها داستن فونتين أول ساعة عبر منصة التمويل الجماعي «Kickstarter». جمعت الحملة نحو 16 ألف يورو لإنتاج الدفعة الأولى، وبذلك كان الجمهور جزءًا من ولادة العلامة نفسها قبل أن يصبح لاحقًا جزءًا من تطوير بعض ساعاتها.
تقول الشركة اليوم إن مجتمعها الأوسع يضم أكثر من 53 ألفًا من محبي الساعات، بينما توزع منتجاتها عبر أكثر من 550 متجرًا إلى جانب مبيعاتها المباشرة عبر الإنترنت. وهذا يوضح أن المشاركين الخمسة آلاف في تطوير «Zirkel X» لا يمثلون كامل جمهورها، بل شريحة أكثر نشاطًا منه.
هذه الخلفية تجعل الساعة الجديدة أقرب إلى احتفال بطريقة نمو الشركة نفسها، فمنصة التمويل الجماعي التي ساعدت في إطلاق العلامة قبل عشر سنوات تعتمد أصلًا على فكرة أن الجمهور يدخل مبكرًا في رحلة المنتج، والآن تعيد «ستيرنغلاس» استخدام المنطق نفسه بعد انتقالها من مشروع ناشئ إلى علامة تباع في مئات المتاجر.
ماذا خرج من هذه المشاركة؟
النتيجة هي «Zirkel X»، ساعة بقطر 38 ملم وعلبة من الفولاذ المقاوم للصدأ، مع وجه فضي ذي تشطيب رأسي ومؤشرين فرعيين مصطفين على محور واحد، التاريخ عند الساعة 12 ونظام 24 ساعة عند الساعة 6. ويظهر اسم «Zirkel»، أي «الدائرة»، في الطريقة التي بُني بها التصميم حول الأشكال الدائرية والتناظر بين عناصر الوجه.
استخدمت العلامة كذلك خط «Neue DIN» للمرة الأولى، وهو تطوير لخط «DIN» المرتبط بالمعايير واللافتات التقنية الألمانية، مع أرقام أكبر لزيادة الوضوح. هذه التفاصيل تبقي الساعة داخل اللغة البصرية التي اعتمدتها «ستيرنغلاس» منذ تأسيسها، والمتأثرة بمبادئ «باوهاوس» القائمة على الوضوح والهندسة وتقليل العناصر غير الضرورية.
وهنا تظهر نقطة مهمة في التصميم التشاركي؛ فالساعة لا تبدو كمنتج حاول إرضاء خمسة آلاف ذوق مختلف ثم خرج بلا شخصية. على العكس، ما زالت قابلة للتعرف عليها كساعة من «ستيرنغلاس»، ما يعني أن دور المجتمع لم يلغِ هوية المصمم أو العلامة.
كوارتز بدل الحركة الميكانيكية
رغم ارتباط المناسبات التذكارية في صناعة الساعات غالبًا بالحركات الميكانيكية، اختارت «ستيرنغلاس» حركة «Miyota 6P23» من الكوارتز. تقدم الحركة التاريخ ومؤشر 24 ساعة، بدقة معلنة تبلغ ±20 ثانية شهريًا، مع عمر بطارية يصل إلى ثلاث سنوات. ويبلغ سعر الساعة الرسمي 299 يورو.
الاختيار يتفق مع فلسفة العلامة أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى، فهي لم تبنِ اسمها على صناعة الحركات المعقدة أو المنافسة في الساعات الفاخرة مرتفعة السعر، وإنما على تقديم تصميم ألماني واضح بسعر يمكن الوصول إليه. لذلك لم تحتج ساعة الذكرى إلى توربيون أو حركة جديدة حتى تروي قصتها؛ العنصر غير المعتاد هنا هو الطريقة التي طُورت بها.
كما أن «Zirkel X» ليست إصدارًا محدودًا بالمعنى التقليدي، فالدفعة الأولى المؤلفة من 1000 ساعة فقط تحمل نقش الذكرى العاشرة على الخلفية، وبعدها سيستمر النموذج ضمن المجموعة من دون نقش المناسبة.
عندما يتحول العميل من مشتري إلى مشارك
الفكرة الأوسع وراء المشروع تتجاوز «ستيرنغلاس». المجتمعات الرقمية منحت العلامات إمكانية الوصول إلى شيء لم يكن متاحًا بسهولة قبل سنوات؛ مجموعة كبيرة من العملاء المهتمين يمكن سؤالها واختبار أفكار المنتجات معها قبل بدء الإنتاج.
في المقابل، تحمل الطريقة خطرًا واضحًا. إذا أصبحت كل تفاصيل المنتج نتيجة تصويت، قد تنتهي العلامة بتصميم آمن يرضي أكبر عدد ممكن ولا يملك شخصية قوية. التصميم أحيانًا يحتاج إلى قرار لا يحظى بإجماع، خصوصًا في صناعة تعتمد على الاختلاف والهوية البصرية.
ولهذا تبدو تجربة «ستيرنغلاس» أكثر إثارة عندما تُقرأ باعتبارها استخدامًا للجمهور كمصدر للمعرفة، لا بديلًا عن المصمم. الآلاف يقدمون الملاحظات والتفضيلات، لكن العلامة ما زالت مسؤولة عن تحويل هذه الآراء المتفرقة إلى منتج واحد متماسك.
من 1500 مشارك إلى 5000
ربما يكون الرقم الأكثر دلالة في القصة ليس مواصفات «Zirkel X»، بل انتقال مجتمع التطوير من نحو 1500 شخص في تجربة سابقة إلى 5000 في ساعة الذكرى العاشرة. فبعد عقد بدأ بتمويل جماعي لأول منتج، أصبحت العلامة تستخدم مجتمعًا أكبر لاختبار الاتجاه الذي تريد أن تتحرك فيه.
وهذا يضع «Zirkel X» في موقع مختلف عن ساعة تذكارية عادية. هي ليست مجرد منتج يحمل رقم «10» أو نقشًا خلفيًا يحتفل بمرور عقد على الشركة، بل نتيجة لطريقة حاولت «ستيرنغلاس» أن تجعل بها جمهورها جزءًا من قصتها التجارية منذ البداية.
السؤال الذي تتركه التجربة للصناعة أكبر من الساعة نفسها: إذا استطاعت علامة صغيرة نسبيًا أن تستخدم خمسة آلاف عميل في عملية تطوير منتج حقيقي من دون أن تفقد هويتها، فهل يصبح إشراك مجتمعات المقتنين والعملاء جزءًا أكثر شيوعًا من طريقة تصميم الساعات في السنوات المقبلة؟

التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.