يمكن لمشتري سيارة مستعملة قيمتها 20 ألف دولار أن يعرف عدد ملاكها، ومواعيد صيانتها، وبعض الحوادث التي تعرضت لها، بينما قد يشتري جامع ساعة ميكانيكية بمئة ألف أو 200 ألف دولار ولا يعرف على وجه اليقين أين صينت، وما الذي تغير داخلها، ومن امتلكها قبل سنوات، وما إذا كانت المعلومات التي وصلته معها تمثل تاريخها كاملًا.

هذه الفجوة هي ما تحاول شركة «Worldwatch» الهولندية معالجته من خلال «Worldwatch Register»، وهو مشروع أطلق في 10 أكتوبر بالتزامن مع «World Watch Day». لكن الفكرة تحتاج إلى توضيح منذ البداية: السجل في صورته الحالية لا يقدم تاريخًا كاملًا لكل ساعة، ولا يصادق على أصالة الساعات نفسها؛ بل بدأ كقاعدة عامة مجانية للتحقق من تجار الساعات المحترفين. أما الطموح الأبعد فهو ربط المعلومات المتفرقة عن حياة الساعة في سجل يمكن أن يتبعها عبر السنوات.

المشكلة ليست نقص المعلومات.. بل أنها موزعة في أماكن مختلفة

عندما تنتقل ساعة مستعملة من مالك إلى آخر، قد تترك خلفها أجزاء من قصتها في أماكن لا تتحدث مع بعضها. التاجر يحتفظ بسجل الشراء والبيع، وصانع الساعات يملك تفاصيل الصيانة، ودار المزادات لديها كتالوج قديم، وخدمة التحقق تحتفظ بتقريرها، بينما يعرض أحد الأسواق الإلكترونية صورًا ومواصفات تعود إلى عملية بيع محددة.

المشكلة أن هذه المعلومات لا تجتمع عادة في سجل واحد.

ستان دوين، مؤسس «Worldwatch» وتاجر ساعات سابق، يصف السوق باعتبارها مجموعة من «الجزر» المنفصلة؛ لكل طرف سجلاته ومعرفته، لكن تلك المعرفة قد تضيع عندما يتوقف التاجر عن العمل أو يغلق مركز الصيانة أو يفقد المالك أوراق الساعة. والنتيجة أن ساعة صُنعت كي تعيش عشرات السنين قد تصل إلى مالك جديد بسجل أقصر بكثير من عمرها الحقيقي.

ماذا يقدم «Worldwatch Register» الآن؟

المرحلة الأولى أبسط كثيرًا من فكرة «السجل العالمي لكل ساعة». «Worldwatch Register» هو حاليًا دليل عام مجاني لتجار الساعات المحترفين، يستطيع المشتري من خلاله معرفة اسم النشاط، وموقعه، والسنة التي بدأ فيها العمل، وموقعه الإلكتروني، وما إذا كانت بياناته قد خضعت للتحقق.

وللانضمام إلى السجل، ينشئ التاجر ملفًا عامًا، ويوافق على قواعد السلوك، ثم يخضع لعملية تحقق مع فريق «Worldwatch». ولا يعتمد النظام على تقييم النجوم أو المراجعات أو ترتيب مدفوع للتجار، كما أنه لا يمنح حكمًا على أصالة ساعة بعينها.

هذه نقطة أساسية؛ لأن المشروع لا يقدم نفسه اليوم كبديل لخدمات الفحص أو خبراء الساعات أو برامج الساعات المستعملة المعتمدة، وإنما كطبقة أولى من الثقة حول الشخص أو الشركة التي تدخل منها الساعة إلى السوق.

الخطوة التالية: من هوية التاجر إلى تاريخ الساعة

الطموح الذي يجعل المشروع أكثر إثارة يبدأ بعد هذه المرحلة.

تريد «Worldwatch» أن تصبح الأحداث التي تمر بها الساعة روابط متتابعة في تاريخ واحد؛ بيعها للمرة الأولى، ثم صيانتها، ثم ظهورها في مزاد، ثم انتقالها إلى تاجر آخر، وربما خضوعها لاحقًا للتحقق أو لبرنامج ساعات مستعملة معتمد.

المثال الذي تطرحه الشركة بسيط: ساعة بيعت لدى صائغ في 1968، وصينت لدى صانع ساعات في 1985، ثم ظهرت في مزاد عام 2004، وأصبحت اليوم معروضة لدى تاجر موثق. بدل بقاء هذه الأحداث منفصلة، يمكن أن تصبح أجزاء من سلسلة واحدة مرتبطة بالساعة.

وليس المطلوب أن يكون التاريخ كاملًا منذ اليوم الأول؛ فإضافة معلومة موثقة واحدة عن الصيانة أو البيع قد تكون أفضل من عدم وجود أي سجل. ومع مرور الوقت، يمكن أن يصبح تاريخ بعض الساعات أكثر وضوحًا كلما أضيفت روابط جديدة إلى السلسلة.

صانع الساعات هو الحلقة التالية

بعد التجار، تعمل الشركة على توسيع الفكرة لتشمل صناع الساعات ومراكز الصيانة. ووفق المعلومات المنشورة عن المشروع، تجري «Worldwatch» محادثات مع صناع ساعات وجهات مهنية لتحديد المعلومات التي يمكن أن تظهر في ملفاتهم العامة، بحيث يستطيع الجامع معرفة تخصص الورشة وخبرتها قبل إرسال ساعة نادرة إليها.

هذه الخطوة مهمة لأن الصيانة قد تغير قيمة الساعة نفسها، خصوصًا في القطع القديمة. استبدال وجه أصلي، أو عقارب، أو أجزاء من الحركة، أو إعادة تلميع العلبة بطريقة غير مناسبة، قد يكون له أثر كبير في نظر المقتنين، ومع ذلك لا تنتقل تفاصيل الصيانة دائمًا مع الساعة عندما تباع بعد سنوات.

لو أصبحت معلومات الصيانة قابلة للربط بتاريخ القطعة، فقد يعرف المشتري مستقبلًا ليس فقط أن الساعة «صينت»، وإنما متى حدث ذلك، ومن نفذ العمل، وما الذي تم تغييره أو الاحتفاظ به.

لماذا «الصندوق والأوراق» لا يكفيان دائمًا؟

في سوق الساعات المستعملة، تستخدم عبارة «Box and Papers» كثيرًا باعتبارها علامة مطمئنة؛ أي أن الساعة ما زالت تحتفظ بصندوقها وأوراقها الأصلية. لكنها لا تجيب عن كل الأسئلة.

قد تكون الأوراق قديمة بعقود، بينما مرت الساعة خلال تلك السنوات بعدة عمليات صيانة ومالكين مختلفين. وقد تكون كل مكوناتها أصلية، أو يكون بعضها قد استبدل في مركز صيانة رسمي، أو لدى ورشة مستقلة، من دون أن يبقى مع الساعة مستند يشرح ذلك.

ولهذا فإن فكرة «Provenance»، أو سجل الأصل والملكية، ذات قيمة خاصة في الساعات النادرة والقديمة، مثلما هي مهمة في الفن والتحف. قطعة ذات تاريخ موثق قد تكون أسهل في تقييمها وأكثر وضوحًا للمشتري من قطعة مشابهة لا يعرف عنها إلا ما يقوله البائع الحالي.

السيارات حلت جزءًا من المشكلة منذ سنوات

المقارنة بالسيارات ليست مجرد تشبيه تسويقي بالنسبة إلى «Worldwatch». دوين سبق أن عمل لدى «Tesla»، ويقول إن تجارة السيارات أكثر تقدمًا من الساعات في تنظيم المخزون وتبادل البيانات بين المحترفين، وهي إحدى الخبرات التي أثرت في بناء المنصة.

المفارقة واضحة؛ فالسيارة التي تنخفض قيمتها عادة مع الاستخدام قد تحتفظ بسجل صيانة وحوادث وملكية مفصل، بينما تستطيع ساعة ميكانيكية أن تنتقل بين الأجيال وترتفع قيمتها إلى أرقام كبيرة من دون وجود نظام عالمي مماثل.

لكن نقل النموذج من السيارات إلى الساعات لن يكون بسيطًا، لأن صناعة الساعات موزعة بين علامات وتجار مستقلين ومزادات وورش وصناع ساعات وأسواق رقمية، وكل جهة تملك جزءًا مختلفًا من المعلومات.

هل تستطيع منصة واحدة جمع هذه البيانات؟

«Worldwatch» لا تقول إنها تريد إعادة بناء كل خدمة موجودة أصلًا. على العكس، الفكرة المعلنة هي الربط بين المصادر التي تحتفظ بالفعل بأجزاء من تاريخ الساعة، من أرشيفات المزادات إلى خدمات التحقق وبرامج الساعات المستعملة المعتمدة لدى العلامات.

وهذا قد يكون أكثر واقعية من محاولة إنشاء قاعدة بيانات جديدة تبدأ من الصفر. فالمنصة نفسها تعمل أصلًا مع تجار محترفين وتربط مخزونهم بقنوات بيع مختلفة، كما أعادت في يوليو 2026 بناء نظامها حول سجل واحد لكل ساعة داخل حساب التاجر، يجمع معلومات الشراء والمخزون والقوائم والبيع في مكان واحد.

إذا أمكن مستقبلاً فتح جزء من هذه السلسلة بصورة آمنة ومدروسة أمام المشترين والجهات الأخرى، يمكن أن يبدأ سجل الساعة في الاستمرار حتى بعد خروجها من مخزون تاجر بعينه.

الخصوصية ستكون جزءًا من المشكلة

إنشاء سجل حياة للساعة لا يعني بالضرورة نشر أسماء كل من امتلكها. فالساعات الفاخرة أصول مرتفعة القيمة، وبعض المقتنين لا يريدون أن تصبح مجموعاتهم أو مشترياتهم معلومات عامة.

ولهذا تشير رؤية المشروع إلى أن ظهور أسماء الأطراف في السلسلة يخضع لموافقتهم، ويمكن أن تثبت واقعة في تاريخ الساعة من دون الكشف عن هوية مالكها السابق، مثلما تصف دور المزادات أحيانًا مصدر قطعة بأنها من «مجموعة خاصة» من دون تسمية صاحبها.

وسيكون تحقيق التوازن بين الشفافية والخصوصية أحد أصعب أجزاء المشروع؛ فالسجل يصبح أكثر فائدة كلما زادت تفاصيله، لكنه يفقد قابلية الاستخدام إذا شعر المقتنون بأن كل انتقال للملكية سيصبح عامًا.

السجل لن يحل مشكلة الأصالة بمفرده

وجود تاريخ مسجل لا يعني تلقائيًا أن الساعة أصلية، وهذه نقطة يوضحها المشروع نفسه. السجل الحالي لا يصادق على الساعات، بل على بيانات التجار، بينما يمكن لاحقًا ربط تقارير جهات متخصصة بالتحقق ضمن تاريخ القطعة.

وهذا فارق مهم، فساعة مزيفة يمكن من حيث المبدأ أن تحصل على سجل إذا كانت المعلومات المدخلة إليها خاطئة، ما لم تكن كل حلقة في السلسلة مرتبطة بجهة موثوقة ومسؤولة عما تسجله. لذلك ستكون قيمة أي سجل من هذا النوع في جودة الجهات التي تضيف المعلومات، وليس في وجود قاعدة البيانات وحدها.

ماذا قد يتغير للمشتري؟

إذا نجحت الفكرة في الوصول إلى صورتها الكاملة، قد تتغير طريقة تقييم الساعة المستعملة نفسها.

بدل الإعلان الذي يقول فقط إن الساعة «بحالة ممتازة» و«كاملة بالصندوق والأوراق»، يمكن للمشتري أن يرى سلسلة من الوقائع؛ تاريخ البيع الأول، عمليات الصيانة، ظهورها في مزاد سابق، عمليات التحقق، وربما القطع التي استبدلت خلال حياتها.

في هذه الحالة قد يصبح سجل الساعة عاملًا في السعر مثل الحالة والندرة والمرجع. ساعتان من المرجع نفسه وفي حالة متقاربة قد لا تكونان متساويتين إذا كانت الأولى تمتلك تاريخًا موثقًا لعقود بينما لا يُعرف شيء تقريبًا عن الثانية.

وهذا ما يجعل المشروع أكثر من مجرد دليل جديد للتجار. إذا استطاعت «Worldwatch» الانتقال فعلًا من التحقق من الأشخاص إلى توثيق حياة القطع، فقد تضيف إلى سوق الساعات المستعملة شيئًا كان ينقصها طويلًا: ذاكرة تستمر مع الساعة نفسها.

السجل لم يصل إلى هذه المرحلة بعد، ومن المبكر معرفة عدد العلامات أو المزادات أو مراكز الصيانة التي ستقبل مشاركة بياناتها معه، لكن السؤال الذي يطرحه يصعب تجاهله: إذا كنا لا نشتري سيارة مستعملة عادية من دون الاهتمام بتاريخها، فلماذا ما زال من الطبيعي أن تنتقل ساعة قيمتها عشرات أو مئات آلاف الدولارات بين الملاك بينما يضيع جزء من قصتها في كل مرة؟