من واحدة من أكبر الساعات المعمارية في العالم إلى ساعة ميكانيكية لا يتجاوز عرضها بضعة سنتيمترات، انتقلت بعض ملامح «ساعة مكة» إلى إصدار جديد قدمته دار «لانغ آند هاينه» الألمانية ضمن الساعات الخاصة بالسوق السعودية التي ظهرت في «Timeology Nights» بالرياض. الإصدار يحمل اسم «Clock»، ويستند إلى نموذج «Georg» المستطيل المعروف لدى الدار، لكنه يأتي بوجه أخضر ملكي وأرقام عربية شرقية، مع تفصيل عند موضع الساعة 12 يستوحي تصميمه مباشرة من مؤشر الساعة 12 في «ساعة مكة».

الفكرة تلفت الانتباه بسبب الفارق الهائل بين مصدر الإلهام والساعة التي خرجت منه. يبلغ قطر وجه «ساعة مكة» 43 مترًا، وتعلو الساعة برجًا يصل ارتفاعه إلى 601 متر، بينما يبلغ قياس نموذج «Georg» الأساسي 40 × 32 ملم فقط. وبين هذين المقياسين حاولت «لانغ آند هاينه» ألا تصنع نسخة مصغرة من البرج، بل أن تختار منه عناصر يمكن أن تعيش طبيعيًا على المعصم.

كيف تتحول «ساعة مكة» إلى ساعة معصم؟

التحدي في مثل هذه الإصدارات ليس العثور على رمز معروف ثم وضعه فوق وجه الساعة، بل تحديد القدر الذي يمكن نقله منه من دون أن تفقد الساعة شخصية الدار التي صنعتها. «ساعة مكة» تحمل حضورًا بصريًا شديد الوضوح، من اللون الأخضر إلى الأرقام والزخارف والهيئة المعمارية المحيطة بها، لكن الإصدار الألماني لم يحاول حشد كل هذه العناصر في مساحة صغيرة.

بدلًا من ذلك، ركز التصميم على عدد محدود من الإشارات. الوجه يأتي بالأخضر الملكي، وتحضر الأرقام العربية الشرقية، بينما أعيد تصميم مؤشر الساعة 12 ليقترب من الشكل المستخدم في «ساعة مكة». وبقيت البنية الأساسية لنموذج «Georg» واضحة، بما فيها العلبة المستطيلة والعرض التقليدي للساعات والدقائق والثواني المنفصلة في الجزء السفلي.

وهنا تصبح العلاقة بمكة قابلة للقراءة من دون أن تتحول الساعة إلى قطعة تذكارية. فالمصدر حاضر، لكن تصميم «لانغ آند هاينه» لم يختف خلفه، وهي معادلة يصعب تحقيقها في الإصدارات المرتبطة بمدينة أو ثقافة بعينها.

لماذا اختارت «لانغ آند هاينه» نموذج «Georg»؟

الاختيار يبدو منطقيًا من الناحية الهندسية. «Georg» مختلف أصلًا عن غالبية ساعات الدار بسبب علبته المستطيلة وخطوطه الواضحة، وتصفه «لانغ آند هاينه» بأنه نموذج يقوم على التكوين الهندسي النظيف والحواف المحددة، مع ثوانٍ كبيرة لا مركزية أسفل الوجه. أبعاد النسخة القياسية تبلغ 40 ملم طولًا و32 ملم عرضًا، بسماكة 9.4 ملم.

هذا الشكل يمنح الإصدار الجديد مساحة أقرب إلى الطبيعة المعمارية لمصدر الإلهام مقارنة بساعة دائرية تقليدية، لكنه يحمل أيضًا سببًا ميكانيكيًا أكثر أهمية. فقد طورت الدار حركة «Caliber VIII» خصيصًا لكي تتوافق مع الشكل المستطيل لـ«Georg»، بدل استخدام حركة دائرية داخل علبة مستطيلة، ولذلك تستمر هندسة الساعة من الخارج إلى الداخل.

هذه النقطة تجعل المشروع أكثر إثارة من مجرد تغيير وجه نموذج موجود، حتى إذا احتفظ الإصدار السعودي بالبنية التقنية الأساسية لـ«Georg»، لأن الساعة التي اختيرت للمشروع تمتلك أصلًا علاقة واضحة بين العمارة الخارجية وترتيب مكوناتها الميكانيكية.

من 43 مترًا إلى 32 ملم

الفارق في الحجم وحده يلخص جزءًا من القصة. «ساعة مكة» تحمل وجهًا يبلغ قطره 43 مترًا وفق «غينيس للأرقام القياسية»، ما يجعلها واحدة من أكبر وجوه الساعات الدائمة في العالم، بينما يبلغ عرض «Georg» 32 ملم فقط.

وظيفة الساعتين مختلفة بالقدر نفسه. الأولى صُممت لكي تقرأ من مسافات بعيدة داخل مدينة تستقبل ملايين الزوار، أما الثانية فوجودها شخصي تمامًا، لا يحتاج إلى أكثر من حركة صغيرة للمعصم. لذلك لم يكن من الممكن نقل الحجم أو التفاصيل حرفيًا، وأصبح الاختزال هو الأداة الأساسية في التصميم.

وبهذا المعنى، لا يحاول إصدار «Clock» إعادة بناء «ساعة مكة»، بل البحث عن الأشياء التي تجعل وجهها قابلًا للتعرف، ثم إعادة تركيبها داخل لغة مختلفة كليًا هي صناعة الساعات الميكانيكية الألمانية.

دار ألمانية تعمل بإنتاج محدود

تصف «لانغ آند هاينه» نفسها بأنها مصنع ساعات مستقل يقع على أطراف دريسدن، وينتج ساعات ميكانيكية بأعداد صغيرة جدًا، مع حركات خاصة بالدار وتشطيبات يدوية وارتباط واضح بتقاليد صناعة الساعات في ساكسونيا. تأسست الشركة في دريسدن عام 2001، وتبني مجموعتها حول أسماء شخصيات من تاريخ ساكسونيا، ومن بينها «Georg».

طبيعة الإنتاج المحدود تجعل هذا النوع من المشروعات أقرب إلى طريقة عمل الدار من إصدار جماهيري واسع، فهي تقدم أصلًا إصدارات صغيرة ومخصصة لمقتنين وأسواق بعينها. وسبق أن أنتجت نسخة من «Georg» في 12 قطعة بالتعاون مع متجر متخصص في جنوب شرق آسيا، كما قدمت إصدارًا آخر من سبع ساعات للسوق الكورية.

الأمر اللافت أيضًا أن فكرة تحويل ساعة برج إلى ساعة معصم ليست غريبة تمامًا على «لانغ آند هاينه». فالدار قدمت سابقًا ساعة مستوحاة من ساعة برج تاريخية في «غلاشوته»، ونقلت تصميم وجهها إلى ساعة ميكانيكية تعمل بحركة يدوية. الإصدار السعودي يضع الفكرة نفسها أمام مرجع مختلف تمامًا في الحجم والثقافة والحضور البصري.

ماذا يوجد داخل «Georg»؟

النموذج الأساسي يعمل بحركة «LH Caliber VIII» يدوية التعبئة، طورتها الدار للبنية المستطيلة للساعة. يبلغ قياس الحركة نفسها 34 × 26.5 ملم بسماكة 4.8 ملم، وتعمل بتردد 18 ألف ذبذبة في الساعة، مع احتياطي طاقة يبلغ 55 ساعة. وتتكون من 160 جزءًا و19 حجر ياقوت وماسة واحدة، وتقدم الساعات والدقائق والثواني المنفصلة عند موضع الساعة 6، إضافة إلى خاصية إيقاف الثواني لضبط الوقت بدقة.

لكن هناك تفصيلًا يجب الحفاظ عليه عند الحديث عن الإصدار السعودي. المعلومات المنشورة حتى الآن عن «Clock» تؤكد اعتماده على نموذج «Georg» وتصميمه المستوحى من «ساعة مكة»، لكنها لا تقدم ورقة مواصفات تقنية مستقلة توضح بصورة صريحة إن كانت الحركة وكل أبعاد ومواد النسخة الجديدة مطابقة تمامًا للنموذج القياسي. لذلك تظل أرقام «Caliber VIII» مواصفات «Georg» الأساسي إلى أن تنشر الدار التفاصيل الفنية الكاملة للإصدار السعودي.

هذه الدقة مهمة، خصوصًا مع الساعات المصنوعة بأعداد محدودة، إذ يمكن للنسخة الخاصة أن تحتفظ بالحركة نفسها بينما تختلف في التشطيب أو النقش أو المواد أو تفاصيل لا تظهر في الإعلان الأول.

«ساعة مكة» ليست مجرد معلم معماري

اختيارها مصدرًا للإلهام يحمل معنى خاصًا في قصة تتعلق أصلًا بصناعة الساعات. برج ساعة مكة الملكي يبلغ ارتفاعه 601 متر، بينما يصل قطر كل وجه من وجوه الساعة إلى 43 مترًا، ما يضع المشروع في الطرف المقابل تمامًا من عالم قياس الوقت مقارنة بورشة تنتج ساعة معصم ميكانيكية صغيرة بعناية يدوية.

كما اكتسب البرج في 2026 ارتباطًا إضافيًا بتاريخ قياس الوقت بعد تسجيل متحف برج الساعة رقمًا قياسيًا بوصفه أعلى متحف داخل مبنى، على ارتفاع 426.875 مترًا. ويعرض المتحف تاريخ قياس الزمن والساعات والآليات المرتبطة به، ما يجعل البرج نفسه يتجاوز وظيفته المعمارية إلى مساحة تتناول ثقافة الوقت وتاريخه.

ولهذا يحمل استلهام «لانغ آند هاينه» طابعًا مختلفًا عن استخدام معلم شهير لمجرد شهرته، فالمصدر هنا ساعة في الأساس، والمنتج النهائي ساعة أيضًا، لكن المسافة بينهما تمتد من الهندسة المعمارية العملاقة إلى الميكانيكا الدقيقة.

متى ينجح الإصدار المخصص للسعودية؟

ظهرت ساعة «Clock» ضمن مجموعة من 24 إصدارًا محدودًا وخاصًا كُشف عنها في الرياض، وكل منها يحاول قراءة جانب مختلف من السعودية. بعض الساعات اتجه إلى المواد الطبيعية، وبعضها إلى السدو أو العلا أو تاريخ التعدين، بينما اختارت «لانغ آند هاينه» أحد أشهر رموز قياس الوقت في المملكة.

هذا التنوع يضع الإصدارات أمام معيار أهم من مجرد الندرة. كتابة «إصدار خاص بالسعودية» لا تكفي وحدها، كما أن اللون الأخضر أو الأرقام العربية الشرقية يمكن أن يتحولا بسهولة إلى وصفة مكررة إذا لم يكن وراءهما منطق تصميمي واضح. في حالة «Clock»، تأتي القوة من اجتماع ثلاثة أشياء: مصدر إلهام مرتبط أصلًا بالوقت، ونموذج ألماني ذي هندسة مستطيلة تناسب الفكرة، وعدد محدود من التغييرات التي تسمح ببقاء هوية الطرفين واضحة.

ولا تزال هناك معلومات ننتظرها، وأبرزها عدد القطع والسعر والمواد والمواصفات النهائية للحركة في النسخة السعودية. لكن الفكرة الأساسية أصبحت واضحة منذ الكشف الأول: «لانغ آند هاينه» لم تحاول وضع برج مكة على المعصم، بل أخذت من «ساعة مكة» ما يمكن أن يتحول إلى لغة ساعات، ثم أعادت صياغته داخل نموذج ألماني كانت هندسته الميكانيكية والمعمارية موجودة قبل هذا التعاون بسنوات.

وهذا تحديدًا ما يجعل الإصدار جديرًا بالاهتمام، فالعلاقة بين السعودية وصناعة الساعات العالمية تصبح أكثر إقناعًا عندما لا تكتفي بإضافة رمز محلي إلى منتج جاهز، بل تجعل هذا الرمز نقطة البداية لتصميم يمكن فهمه حتى قبل قراءة قصته.