حين افتتح «Timeology Nights» أبوابه في الرياض يوم 9 أكتوبر، كان من السهل التعامل معه باعتباره معرضًا جديدًا يضاف إلى روزنامة الساعات الفاخرة في المنطقة. وبعد خمسة أيام، تبدو القصة أوسع من ذلك. النسخة الأولى لم تكتف بجلب علامات وصناع ساعات إلى المملكة، بل وضعت أمامهم سؤالًا مختلفًا: ماذا يمكن أن تصنعه العلامات عندما تصبح السعودية جزءًا من فكرة الساعة نفسها، لا مجرد السوق التي ستباع فيها؟

الإجابة ظهرت بوضوح في 24 إصدارًا محدودًا صُممت خصيصًا للسوق السعودية، وكُشف عنها يوم 10 أكتوبر بالتزامن مع «World Watch Day». المجموعة جمعت مشروعات من سلسلة «NAWAT» التابعة لـ«10tenLabs»، وإصدارات طورها «Collectors Watch Club»، إلى جانب تعاونات مع عدد من الدور المشاركة، ووُصفت بأنها أوسع مجموعة من الإصدارات الخاصة التي طُورت للمملكة حتى الآن.

ومع اختتام الحدث يوم 13 أكتوبر في «فور سيزونز الرياض»، لم تُنشر حتى وقت إعداد هذه المادة حصيلة نهائية لعدد الزوار أو المبيعات أو الصفقات التي تمت خلال الأيام الخمسة. لكن غياب هذه الأرقام لا يمنع قراءة ما تغير بالفعل؛ فالنسخة الأولى قدمت نموذجًا تتحرك فيه السوق السعودية خطوة أبعد من اقتناء الساعات إلى المشاركة في تشكيل بعض المنتجات التي تُصنع لها.

24 إصدارًا.. والاختلاف هذه المرة في نقطة البداية

الإصدارات الخاصة بالأسواق ليست جديدة في صناعة الساعات. غالبًا ما تبدأ من نموذج موجود، ثم يتغير لون الوجه أو الحزام أو النقش الخلفي، وتضاف إليه صفة «حصري». بعض ما ظهر في الرياض اتخذ هذا المسار، لكن عددًا من الساعات ذهب إلى مكان أبعد، حين أصبحت الثقافة أو الطبيعة السعودية جزءًا من المادة أو التصميم أو الفكرة التي بُني عليها الإصدار.

«Chronoswiss» استلهمت السدو في «Neo Digiteur Al Sadu»، بينما أخذت ساعة «Opus Maraya» انعكاسات مبنى «مرايا» في العلا وحولتها إلى جزء من لغة التشطيب والضوء داخل الساعة. الإصداران أُنتجا في 15 قطعة لكل منهما، وطُورا بالتعاون مع «10tenLabs» للسوق السعودية.

وفي «Hajar Tribute 1» من «Armin Strom»، دخل حجر «النيفلين سيانيت» المرتبط بالتكوينات الجيولوجية في المملكة إلى وجه الساعة نفسه، بينما استخدمت «ID Genève» مسحوقًا مشتقًا من القهوة ونوى التمر السعودية في إصدار «Ghadou». أما «Kudoke» فاستلهمت «مهد الذهب» بوجه من اللازورد ذي العروق الذهبية، في حين استعادت «Speake-Marin» خط المسند التاريخي داخل إصدار «Musnad».

هذه التفاصيل هي التي تجعل الـ24 إصدارًا أكثر أهمية من الرقم وحده. فالسؤال لم يعد: كم ساعة صنعت للسعودية؟ بل: إلى أي مدى استطاعت العلامة أن تجد شيئًا في السعودية يمكن تحويله إلى لغة ساعات من دون أن تفقد شخصيتها؟

السعودية كمصدر للفكرة.. لا مجرد مكان للبيع

خالد زين العابدين، المؤسس والمدير العام لـ«10tenLabs»، لخص هذا التوجه عند تقديم المجموعة، موضحًا أن الهدف يتجاوز جلب الساعات المميزة إلى السعودية إلى بناء صلة بين صناع الساعات العالميين وثقافة المملكة وهويتها، معتبرًا أن السعودية أصبحت مصدرًا متزايدًا للإلهام والإبداع في هذا المجال.

هذه الفكرة يمكن رؤيتها في ساعات مختلفة تمامًا عن بعضها. إصدار «Clock» من الدار الألمانية المستقلة «لانغ آند هاينه» استلهم «ساعة مكة» داخل نموذج «Georg» المستطيل بوجه أخضر وأرقام عربية شرقية، بينما ذهبت علامات أخرى إلى الخيل العربية أو خرائط الإدريسي أو العلا أو الطبيعة الصحراوية.

لا يعني ذلك أن كل إصدار بلغ الدرجة نفسها من العمق؛ فبعض القطع تظل أقرب إلى التعديل البصري، وبعضها يدخل المرجع المحلي إلى بنية الساعة بصورة أوضح. لكن وجود هذه الدرجة من التنوع في حدث واحد يكشف أن فكرة «الإصدار السعودي» نفسها بدأت تتسع، ولم تعد محصورة في اللون الأخضر أو نقش اسم مدينة على الخلفية.

مجتمع المقتنين أصبح جزءًا من المعادلة

التحول لم يحدث من جانب العلامات وحدها. «Collectors Watch Club» شارك في تطوير عدد من الإصدارات، وجاء إلى «Timeology Nights» بوصفه شريكًا في الحدث، لا مجرد مجموعة من الزوار. وهذا يضع مجتمع المقتنين المحليين في موقع مختلف عن العلاقة التقليدية بين العميل والعلامة.

الفكرة ظهرت أيضًا قبل المعرض، عندما كشف النادي أنه أنجز 14 إصدارًا خاصًا وكان يعمل على 34 مشروعًا إضافيًا مع علامات عالمية. ومع انتقال بعض هذه العلاقات إلى معرض يجتمع فيه المقتنون والصناع وتجار التجزئة، أصبح واضحًا أن السوق المحلية بدأت تبني قناة تمكنها من التأثير في التصميم والألوان والهوية والحجم المحدود لبعض الإصدارات، حتى وإن ظلت الهندسة والتصنيع بطبيعة الحال مسؤولية الدار.

وهنا يصبح تأثير مجتمع صغير من المقتنين مفهومًا، فالعلامة التي تنتج 20 أو 30 أو 50 ساعة من إصدار معين لا تحتاج إلى ملايين العملاء كي تستمع إلى سوق ما، بل إلى مجموعة تعرف المنتج جيدًا وتمتلك علاقة مستمرة بالصناعة.

المستقلون لم يكونوا ضيوفًا جانبيين

بدأت «Timeology Nights» بقائمة معلنة تضم أكثر من 35 علامة وصانع ساعات وتاجرًا متخصصًا، بينها أسماء مثل «A. Lange & Söhne» و«Armin Strom» و«Biver» و«Czapek» و«De Bethune» و«Konstantin Chaykin» و«Lederer» و«Roger Dubuis» و«Speake Marin». ومع إضافة العلامات التي شاركت في الإصدارات السعودية الخاصة، أشارت التغطيات اللاحقة إلى تمثيل يقارب 50 اسمًا في صناعة الساعات داخل الحدث.

الفارق بين الرقمين مهم؛ فالأول يتعلق بالقائمة الأساسية للعارضين، بينما الرقم الأكبر يشمل نطاقًا أوسع من العلامات الممثلة عبر الإصدارات والتعاونات. لكن في الحالتين، كان حضور المستقلين واضحًا بما يكفي ليصبح جزءًا من هوية المعرض، لا زاوية صغيرة داخله.

وهذا له قيمة خاصة في السوق السعودية، لأن كثيرًا من صناع الساعات المستقلين لا يملكون شبكات متاجر واسعة. الوصول إليهم غالبًا يتطلب السفر إلى جنيف أو معارض متخصصة أو ترتيب مواعيد خاصة، بينما جمع «Timeology Nights» عددًا منهم داخل الرياض في وقت واحد.

المعرض لم يُبنَ كقاعة عرض فقط

النسخة الأولى حاولت منذ البداية تقسيم التجربة إلى أكثر من مستوى. «Indie Salon» خُصص لصناع الساعات المستقلين والحرف المرتبطة بهم، و«Grand Salon» جمع دور الساعات الراقية ومشروعات المقتنين، بينما استضاف «The Majlis» الجلسات والنقاشات ضمن «Timeology Horology Forum». كما تضمن البرنامج عروضًا حية وورشًا عملية وجلسات متخصصة قدمتها «Roger Dubuis».

هذه التفاصيل تبدو ثانوية أمام خبر 24 إصدارًا جديدًا، لكنها في الواقع جزء أساسي من معنى الحدث. فالإنترنت يستطيع كشف ساعة جديدة للعالم في اللحظة نفسها، ويمكن للعميل معرفة المواصفات والسعر خلال دقائق، لكن ما لا يستطيع فعله بسهولة هو أن يضع الجامع أمام الصانع نفسه، أو يسمح له بتجربة قطعة مستقلة لا تصل إلى المتاجر المحلية، أو مناقشة سبب اختيار حركة أو مادة بعينها.

لهذا تحولت معارض الساعات عالميًا في السنوات الأخيرة من مكان تُعلن فيه المنتجات إلى مكان تُبنى فيه العلاقات حولها. وفي الرياض، اختبرت النسخة الأولى هذا النموذج محليًا منذ البداية.

ما الذي لا يمكن قوله بعد؟

نجاح نسخة افتتاحية في جمع هذا العدد من العلامات وتقديم 24 إصدارًا خاصًا لا يكفي للقول إن الرياض أصبحت مركزًا عالميًا لصناعة الساعات، ولا توجد حتى الآن أرقام منشورة تسمح بالحكم على المبيعات أو حجم الجمهور أو العائد التجاري للحدث.

كما أن نجاح الإصدارات السعودية نفسها يحتاج إلى وقت. الندرة لا تضمن اهتمام المقتنين، وإطلاق 10 أو 20 قطعة لا يجعل الساعة مهمة تلقائيًا. بعض الإصدارات سيستمر الحديث عنه بسبب فكرته وحرفته، وبعضها قد يبقى مرتبطًا بلحظة المعرض فقط.

لكن ما يمكن قوله بعد خمسة أيام هو أن العلاقة التي ظهرت في «Timeology Nights» تختلف عن صورة السوق التي تنتظر الإطلاقات العالمية ثم تستوردها. هنا عملت جهات محلية مع علامات دولية على تطوير المنتج قبل ظهوره، وشارك مجتمع مقتنين في بعض القرارات، ووصل صناع مستقلون إلى جمهور سعودي بصورة مباشرة.

ما الذي تركته النسخة الأولى؟

أهم ما تركه «Timeology Nights» ليس رقم 24 وحده، ولا عدد العلامات التي حضرت إلى الرياض. القيمة الحقيقية للنسخة الأولى هي أنها اختبرت نموذجًا تستطيع فيه السوق السعودية أن تكون طرفًا في الحوار الذي يسبق الساعة، لا مجرد الطرف الذي يشتريها بعد الانتهاء منها.

بعض هذه العلاقة ظهر في حجر سعودي على وجه ساعة، وبعضها في السدو أو «ساعة مكة» أو عمارة العلا، وبعضها الآخر لم يحتج إلى رمز سعودي ظاهر أصلًا، بل جاء من تعاون مباشر بين المقتنين والعلامة على تفاصيل الإصدار.

وهذا هو التحول الذي يستحق أن يبقى بعد إغلاق أبواب المعرض: انتقال جزء من سوق الساعات في السعودية من سؤال «ماذا ستقدم لنا العلامات؟» إلى سؤال أكثر تأثيرًا: «ماذا يمكن أن نطوره معها؟».

ولأنها النسخة الأولى فقط، سيكون الاختبار الحقيقي في ما يحدث بعدها؛ هل تتحول العلاقات التي بدأت خلال الأيام الخمسة إلى إصدارات جديدة وشراكات مستمرة، وهل تعود العلامات المستقلة نفسها في العام المقبل، وهل يصبح «Timeology Nights» موعدًا تنتظر فيه الصناعة أفكارًا مرتبطة بالسعودية لا مجرد فرصة لعرض ما أنتجته في مكان آخر. وحتى تظهر تلك الإجابات، تكفي النسخة الأولى لإثبات أن العلاقة بدأت تتحرك في اتجاه جديد.